مقالات الرأي

دكتور ادريس ليمان يكتب فإنه أحمقٌ بالحرص ينتحرُ ..!!

*من الإرشيف*

المقال أدناه كُتِبَ بعد *أربعة عشر يوماً فقط* من إندلاع الحرب اللعينة ووقوع ما كان يخشاه أهل السودان ..!! أُعيد نشره بعد أن آلمتنى أوضاع النازحين بمدينة كسلا وهم يفترشون الأرض والأندية الرياضية بعد أن ضاقت بهم المنازل والمدارس وحتى المساجد وحالة العجز التى يعانيها أولئك *المُهَجَّرين* و *المُقيمين* على السواء ولا حول ولاقوة إلاَّ بالله

——————————————

دكتور ادريس ليمان يكتب فإنه أحمقٌ بالحرص ينتحرُ ..

عندما كان السودان مليون ميل مربع قبل أن يسقط منه النصيف و ( نُصوا التِحتانى ) وتتبدى عورته كانت لديه إدارة للمناهج غاية فى المهنية والتربوية ، تتخير للنشء السهل اليسير من ( المحفوظات ) والقصائد ذات الدلالات التربوية عميقة الأثر لتشكل وجدانهم وفطرتهم النقية بدلائل الخيرات ، ومن القصائد التى لا زلتُ أذكرها بعنوان النخلة الحمقاء لإيليا أبوماضى وهى فى الأصل ( التِينة الحمقاء ) فقد رأت إدارة المناهج تغيير العنوان إلى النخلة لتناسب بيئتنا وأعمارنا ومخزوننا المعرفى المتواضع .. تحكى عن شجرة تين أعجبَتَها ثمارها وظلالها ( بئس القضاء الذى أوجدنى عندى *الجمال* وغيرى عنده *النظرُ* ) فقررت بمنتهى الأنانية والإنتهازية الاَّ يطمثها طيرٌ ولا إنسٌ ولاجانٌّ ، ولايتفيأ ظلالها ولاينعم بثمارها كائن ( *إنى مُفصِّلةً ظِلِّى على جسدى فلا يكون به طولٌ ولا قِصرُ .. ولستُ مثمرةٌ إلاَّ على ثقةٍ أن ليس يطرقنى طيرٌ ولابشرُ* ) .. وإستمر الشاعر فى وصف حماقتها وغبائها حتى إجتثها صاحب البستان الذى لم يُطق رؤيتها عارية كأنها وَتَدٌ فى الأرض فهوت فى النار تستعرُ ..!! وكانت خلاصة الدرس العميق تتمثل فى قوله : ( *فمن ليس يسخوا بما تسخوا الحياة به فإنه أحمقٌ بالحِرصَ ينتحرُ* ) ..

فالمتأمل للأحداث التى وقعت صبيحة السبت ١٥ أبريل ولايزال صداها يتردد فى أرجاء المعمورة ، والتى راح ضحيتها عددٌ من الأبرياء من المواطنين فى جريمةٍ أقل ما تُوصف به أنها مروِّعة وعمل إجرامى يندى له جبين الإنسانية والتى تسبب فيها وحشٌ صنعه حُكَّام السودان على أعينهم وإصطنعوه لأنفسهم ، وأرضعوه لبان القوة وغفلوا عنه أو تغافلوا حتى نبتت أظفاره ومخالبه وإشتَّدَ ساعده فرماهم بسهمٍ نافذ من كِنانة الخيانة ولم يحترم قواعد إشتباك ولم يرعى للمواطنين أمناً ولا زماماً .. فخلقت هذه الأحداث التى أصبحت عاراً على حكامنا وعلى المتمردين واقعاً مريراً إكتوى به أهل السودان وتجرعوا أحزانه ومضاضته ، وأُستبيحت دماؤهم وأموالهم وأعراضهم وهُجِّروا من دورهم وديارهم ، وتصدَّعت الدولة السودانية وإنقشعت هيبتها ، ورأينا جُرأةً على الباطل وأضحت قيمنا السودانية السمحة وأخلاقنا الأصيلة التى عُرفنا بها بين الأمم مبذولةً فى الطُرقات تُباع بأبخس الأثمان مع المسروقات والمنهوبات فى قارعة الطريق على مسمع ومرأى من الشرطة ( الحاضر الغائب ) ، وظَّن هذا الوحش المصنوع وتوّهم أنه هو المتفرد بالسيطرة على البلاد ، وأنه وحده الجدير بالتقدير والتصرف فى مُقدَّرات السودان ، فكان الذى هو كائنٌ الآن من دمارٍ وخراب ، ويقينى أن من أشعل جذوة هذا الصراع لن يتخلى عن أوهامه وطموحاته هكذا ورعاً وتقوى ووطنيةً ومراعاةً لحقوق المواطنين وسلامتهم وهو الذى أتى بقوة السلاح وفرض نفسه فرضاً أو فُرِضَ على أهل السودان قدراً مقدوراً ، ومن ثم أطلقت قيادة الدولة وبغفلة شديدة يده فى السودان وأهله ومقدّراتهم ليعبث بهم كما يشاء وليشعل فيهم الحريق دون أن يضع فى الإعتبار ردَّات الفعل الجامحة والغاضبة لمن وتِرَ بأبيه أو إبنه وأخيه من مدنيين أو عسكريين .. فهذا الفعل المتمرِد يُنذِر بعواقب وخيمة وكوارث جسيمة وسيتخذ منه الأعداء مدخلاً لنفث سمومهم وتنفيذ أجنداتهم ومخططاتهم والإستحواذ على مقدرات بلادنا ، وإن لم يُحسم هذا الأمر ويُتدارك ويطفأ الحريق سيُفضى الأمر إلى المزيد من الحرائق *وستتسع رقعة الخراب والدمار والنزاعات القبلية التى لايستطيع أحد إدراك مآلاتها* .. فبلادنا اليوم أحوج ما تكون إلى قادة حقيقين وليسوا رموزاً فاشلين ليكونوا رجالاً للإطفاء *تكون لديهم الإرادة والوعى والقدرة على الحسم وإخماد حرائق التمرد والفتنة القبلية وإيقاف تيه الضياع برؤية تجعل من الرشد المجتمعى والروح الوطنية الصادقة معياراً ومن المصلحة العليا لأهل السودان نهجاً ومنهاجاً* ، وأن تكون الدولة صادقة مع نفسها وعادلة مع رعاياها ورحيمة بأهلها وحازمة فى مواجهة كل من يتجاوز قواعدها المُنظِّمة لعملها ، وكل من يتجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بأمان وإستقرار حياة الناس .. وإلاَّ سيسقط عنها الإزار كما سقط النصيف وستتبدد الأميال التى تبقَّت من المليون ميل مربع ، *ويسير الراكب من نيالا إلى دنقلا ومن كسلا إلى الدمازين بتأشيرة دخول وجواز سفر*.. !!

حفظ الله سوداننا وأهله من كل سوء .

*د . إدريس ليمان*

*السبت ٢٩ أبريل ٢٠٢٣م*

زر الذهاب إلى الأعلى