فنجان الصباح أحمد عبد الوهاب يكتب كلاب تعرف الوفاء والأصول أكثر ممن لبس الكدمول..!!

” استودعت إنسانا وكلبا أمانة
فضيعها الإنسان والكلب حافظ”
شتاء العام ١٩٨٣م.. أول يوم ادخل فيه مبنى التلفزيون..
كانت أم درمان مسرورة ومسحورة وحالمة، وكانت الحياة رخية سخية وناعمة.. وكانت الدنيا طاعمة، والناس راضية و فاهمة..
كانت الحياة ساهلة والأوقات ماهلة والايام تمضي الهوينا.. كأنما تريد أتاحة الفرصة كاملة للجميع للاستمتاع بها..
كان النميري يطلب من أصحاب المركبات ان يكتبوا عليها عبارات للتفاؤل والفرح معطونة في نهر الهناء ونيل الحياة مثل ( صابحني دايما مبتسم)..
كان مبنى التلفزيون يموج بالنجوم في كل ضروب الإبداع من فنانين ومداح واطباء وشيوخ وقراء وعلماء ومذيعين و مخرجين ودراميين وشعراء وادباء.. وتعجب كيف يستوعبهم ذلك المبنى المتواضع، وكيف تسعهم وتسع عطاءهم ساعات بث قليلة.. في محطة وحيدة تبدأ في نحو الخامسة مساء وتختتم بثها في منتصف الليل.
كان برنامج المساء والسهرة بسيطا وجميلا.. ولكنه كان مساحة للفرح.. وكان مبنى التلفزيون لا تدخل الأحزان ساحته الا لماما.. كانت السياسة تطل في البرامج على استحياء.. وكانت أبرز عناوينه تلاوة عاطرة من الذكر الحكيم ثم نشرة مختصرة ثم جريدة المساء ونشرة انجليزية وإعلانات معطرة من صابون رشأ وسالي وحنة الدامر وكوزمتكس من فورتي سفن اليفن.. ثم المسلسل العربي والذي يجعل من ام درمان وكل بنادر وحواضر السودان تعلن ما يشبه حظر التجول.
ثم نشرة الأخبار الرئيسية وفيها اخبار عالمية و رياضية ثم نشرة جوية..
وبعدها تتهيأ امدرمان لبرامج السهرات يتبارى في تقديمها عدد من اساطين الإبداع، ليلى المغربي و البصيري وحمدي بدر الدين ومتوكل كمال وغيرهم. ثم يختتم البث بموجز إخباري.. ثم ابتهالات بصوت البروفيسور على شمو ثم القرآن الكريم بصوت الشيخ صديق أحمد حمدون.. وكان الأستاذ الطيب محمد الطيب يقدم برنامجه ذائع الصيت (صور شعبية) ..
وكنت في انتظاره في ذلك اليوم في استقبال التلفزيون.. وكانت فرصتي في الدخول للمبنى العريق بدون توصية من الاستاذ الطيب تماثل فرصة الصعود إلى قمرة قيادة طائرة الخطوط الجوية السودانية بدون تذكرة..
أوقف الأستاذ الطيب سيارته الجديدة من طراز (سيهان بيرد)
وكأن ايضا في انتظاره عدد من بدو البطانة يصطحبون كلابا مدربة على الصيد..
كان الاستقبال يحتفي بصورة كبيرة مبروزة للرئيس النميري يقلد فيها وساما رفيعا للمبدع التلفزيوني و الرسام والخطاط ونجم الرسوم المتحركة وصاحب برنامج ( خد وهات) ادموند منير..
احتفى صاحب (صور شعبية) بضيوفه القادمين للتو من سهل البطانة السعيد بسيوفهم وعصيهم.. وكلابهم.. وقال أحدهم ان البطانة في الخريف من حلاوتها وطراوتها وفرط ونعيمها ورقة نسيمها تداوي ال(تي بي) (السل).. كانت قطعان الايائل و الغزلان تسرح وتمرح في سهول البطانة كيفما شاءت وشاء لها الهوى.. حكي ضيوف البرنامج قصصا رائعة من الف ليلة وليلة خريفية في البطانة.. كانت مجرد حوارات تمهيدية قبل الدخول للاستديو.. ولكنها كانت متعة بذاتها.. كان لكل واحد من هؤلاء قصة او قصيدة في وفاء الكلاب و تضحياتها في ثنايا ذكريات صيد لا تنسي، ورفقة سفر في البادية تستعصي على النسيان. وكان الأستاذ الطيب يحمل خصيصا لهذه الحلقة من صور شعبية كتابا من كتب التراث اسمه ( تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب)..
كانت تلك الكلاب التي دخلت التلفزيون بالباب ، أفضل بكثير من كلاب الدعم السريع التي جاءت غازية وباغية بعد ذلك بنحو ٤٠ عاما.. لقد كان السودان كبيرا لما كان هؤلاء الاوباش صغارا.. أو لم يولدوا بعد.. وليت أمهاتهم لم يلدنهم..
هذه العناصر المتوحشة من مليشيا ال دقلو الإرهابية دخلت الي مباني جهازي الإذاعة والتلفزيون وإلى خشبة المسرح القومي.. وحولوها إلى خشبة لمسرح الخوف والرعب والجنون. جعلوها ثكنة عسكرية.. وهي التي كانت قلعة للإبداع والثقافة وتعلم الناس الف باء الحضارة والذوق.. كنس الاوباش الأرشيف الإذاعي والتلفازي الذي لايقدر بثمن ووضعوا مكانه ذخائر الرشاشات والمدافع وصواريخ الكاتيوشا والاربجي..
وقبلهم.. دخل المغول والتتار الي عواصم المشرق العربي والإسلامي في بغداد وحلب وغيرها ودمروها.. ولكنهم مالبثوا ان أسلموا وصاروا جنودا للإسلام. ومشاعل للحضارة.
ودخل الدعامة للخرطوم وامدرمان والجزيرة (جحوشا وخرجوا حميرا.). . لم يتعلموا شيئا من الذوق و الحضارة ولم ينسوا شيئا من تراث القتل والغدر والخيانة..
فعلوا من المجاذر وارتكبوا من المنكرات مايكفي في الدلالة على خروجهم من الملة كما الشعرة من العجين..
يا حميدتي.. من أين جئت انت.. ومن أين جئت بهذا الجنون والوحشية والإرهاب..؟!!
أن أفضل ما تهديه لك امدرمان وتلفزيون السودان.. كتاب.. ( تفضيل الكلاب.. على كثير ممن لبس الث فيياب) ..و الكدمول..


