مقالات الرأي

فنجان الصباح  أحمد عبد الوهاب يكتب  وداعا اللواء الركن عثمان عبد الله  رب الصارمين السيف والقلم!! 

 

 

هوى بالأمس في السودان نجم ثاقب. وتوخي حمام الموت من بين جنرالات السودان الأفذاذ درة يتيمة.. فلله كيف اختار واسطة العقد..

وبرحيل سعادة اللواء الركن عثمان عبدالله عضو المجلس العسكري بقيادة المشير سوار الذهب ووزير الدفاع في الحكومة الانتقالية برئاسة الدكتور الجزولي دفع الله (١٩٨٥- ١٩٨٦م) يكون آخر نجوم ذلك العهد من العسكر قد غيبهم هادم اللذات كلهم جميعا.. ما خلا واحدا .

 ومن بين وزراء تلك المرحلة اختار الموت أميزهم أداء وأوفرهم عطاء..

 وحقا فان الموت نقاد.. 

كان اللواء عثمان أعلى الجنرالات في مجلس سوار الذهب صوتا و ابرزهم صيتا وكان أيضا في طليعة الضباط الذين حملوا قائدهم حملا على اطاحة المشير النميري في سبيل ضمان وحدة وسلامة المؤسسة العسكرية.

في فترة نشط فيها التمرد بقيادة العقيد جون قرنق دي مبيور مستمتعا بدعم الشرق الشيوعي وكل امكانيات الغرب الصليبي وفي فترة شهدت مجاعة سنة ١٩٨٤م التي ضربت القرن الأفريقي بلا هوادة.. فترة ألقت على عاتق السودان أعباء تنوء بها العصبة ذات القوة من الدول..

و في هكذا ظروف قدر للرجل ان يتقلد حقيبة وزارة الدفاع ويتحمل المسؤولية الثقيلة محافظا على تماسك المؤسسة العسكرية.. وعلى سلامة ووحدة تراب وطن (كان) بمساحة مليون ميل مربع.. 

اربك الرجل كل خطط وحسابات ( جيش وحركة تحرير السودان) المتمردة رغم ما تجده من دعم عسكري ومالي ولوجستي من المعسكر الشرقي ومن مجلس الكنائس العالمي.

 ومع ذلك مضى جيش البلاد يقاتل وحيدا فريدا في أحراش الغابة الاستوائية. وعلى جبهة بطول الفي كيلومتر.

وبتوفيق من الله وبفضل حنكة الرجل لم تسقط في عهده حامية واحدة ولم يدخل التمرد الي أي مدينة بالجنوب .

وبمثلما كان عثمان عسكريا ممتازا فقد كان أيضا سياسيا لا يشق له غبار.. ويعرف من أين تؤكل الكتف. 

وفي ذلك الوقت كان تجمع الأحزاب و النقابات اليساري الذي يضمر لمصر عداء شديدا. يريد كدأبه دوما أن يختطف الثورة .. ويسعي ليفرض رأيه و رؤيته على حكومة الدكتور الجزولي، وكان يطالبها بالضغط على القاهرة لكي تسلمهم النميري لمحاكمته.. 

وبالفعل فعند أول زيارة لوزير الدفاع للقاهرة.

 كانت هنالك حملات محمومة وحشودا كبيرة تريد أن تعرف منه ماذا صنع في ( ملف النميري) ولكن أسقط في أيديهم عندما أجاب بقوله ( لقد ذهبت اتباحث في القاهرة عن أحياء وليس عن أموات ) ذلك ( أن نظام النميري قد صار جثة متحللة وصار عهده جزءا من الأمس).

لقد كانت موهبة الرجل الفائقة في الخطابة لا تقل عن قدرته الفذة في الكتابة.. 

 ارتجل سيادته ذات مرة خطبة عصماء وردت فيها عبارة تستحق أن تكتب بماء الذهب تقول ( إنه من الأكرم لشعبنا أن يموت جوعا باختياره على أن يعيش متخما بقرار الآخرين).. 

 العبارة التي هزت الأديب الدبلوماسي الكبير صلاح أحمد إبراهيم صاحب ( غابة الأبنوس)

و( غضبة الهبباي) فغرد حينها يقول ( لقد أعجبني وأطربني حديث سعادة اللواء وذكرني حديثه بعبد الناصر و الزعماء الكبار ).. 

ولا زال كثيرون يذكرون مقالته الذهبية التي كتبها لصحيفة ( الأيام ) في رثاء الشهيد البطل المقدم الركن داؤد ريحان.. والذي سقط في ساحات الشرف وهو يقود متحركا قتاليا بالجنوب وسط المستنقعات والريح والمطر وظلام الليل وظلمة الغابة الاستوائية في الطريق مابين جوبا إلى مريدي.. 

 كتب مقالة عصماء تدل على تقدير قائد محترم لتضحيات جنوده البواسل . 

وفي ذلك الوقت كان كثير من الكتاب و الصحفيين العرب أمثال الكاتب الكبير صلاح مطر صاحب مجلة (التضامن) والأستاذ عرفان نظام الدين وغيرهما.. يتوقعون قيام بعض الضباط بانقلاب عسكري ضد سوار الذهب وشطح الخيال ببعضهم لدرجة ترشيح اللواء عثمان ليكون قائد الانقلاب و ( ناصر الثورة).. ولكن طاش سهمهم و خاب فألهم ومضت الفترة الانتقالية إلى غاياتها موفقة ومسددة.. 

وبرغم قصر المدة وشح الامكانات فقد عالجت تلك الحكومة أزمات الغذاء واكملت نقص السلاح والذخائر والمحروقات . وتدفق ملايين اللاجئين من الحدود الشرقية.. مع مشكلات امنية واقتصادية وسياسية.. لاحصر لها اجتازتها بجدارة عنوة واقتدارا .. 

 كما نجحت الحكومة ايضا في إجراء محاكمات نزيهة لرموز العهد المايوى البائد. وتمكنت من تنظيم انتخابات برلمانية نظيفة برقابة دولية ..

  وأوفى سوار الذهب ورفاقه من العسكر بما عاهدوا عليه الشعب وسلموا الأمانة إلى برلمان منتخب ونظام ديمقراطي .. 

 أدى المشير التحية العسكرية للبرلمان المنتخب وغادر إلى منزله معززا مكرما و مثله فعل بقية الجنرالات..

وكتب الأستاذ الكبير فتحي رضوان يومها يقول ( يا لفخر الذهب بذلك السوار).

و تقاعد اللواء عثمان وهو في أوج عطائه، رافضا كل المناصب التي عرضت عليه.. واكتفى بإدارة أعمال تجارية ناجحة ومكتب مرموق للاستشارات.. 

و كانت دارته العامرة مثل قلبه الكبير مفتوحة وكان هاتفه مبذولا دوما لكل متصل ومستفسر وسائل.. وكنت كثير الاتصال به عبر سنوات طوال، 

وكان اما أن يمنحك حوارا أو يعطيك تصريحا أو يتبرع بمعلومة يستفاد منها في التحليل. أو يكتفي باعتذار رقيق.. 

مات اللواء عثمان راضيا مرضيا وبموته ودع السودان عسكريا فذا وسياسيا بارعا وشخصية مثقفة ونادرة.. وتفقد برحيله بلادنا رمزا وطنيا رائعا إلى الأبد.

رحل الرجل وقد تكالب على بلادنا الأعادي من كل حدب وصوب، وغاب الشقيق وتبخر الصديق وعز النصير..

 وهاهو جيشه يخوض وحده حربا عالمية ضد أكثر من ٧ دول دفعة واحدة..

عاقدا العزم على تحقيق النصر.. والقتال حتى آخر جندي، وآخر رصاصة..

 وكنا في انتظار مقالة ذهبية أخرى منه عن الشهيد البطل( لقمان) وهو يقود متحرك جيش منطقة كرري العسكرية صوب سلاح المهندسين.. وسط مطر الخيانة و الرصاص وخطر القناصة و المرتزقة اللئام.. غير وجل ولا واجف ولا هياب .. 

هاهو جيشكم يا سعادة اللواء يدفع كل يوم بفيالق من الأسود من عينة( المقدم ريحان) و(الرائد لقمان) .. فداء للسودان. 

وما النصر إلا من عند الله.. 

رحمك الله تعالى وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة.

زر الذهاب إلى الأعلى