أعمدة الرأي

عثمان الشيخ الاسيد.. يكتب .. في اسيديات الثلاثاء . لا يملأ الهول صدري قبل وقعته (حوار بين شيخ وشاب) 2/2

لا يملأ الهول صدري 2

الشاب يحي الشيخ بتحية الإسلام ( السلام عليكم يا شيخنا) يرد عليه الشيخ بأحسن منها، يستطرد الشاب قائلا، أنتهى لقاءنا السابق برغبة منك إذ قلت، خشيت أن يطول المقام والمقال فيمل القراء

الشيخ: نعم هذا صحيح، ولكنني نسيت أن اسألك أين انت الان يا ولدي بعد ان فارقت دارك قسراً؟

الشاب: انا الان في بلدة أعتقد انها آمنة

الشيخ: ولماذا اعتقدت انها آمنة؟

الشاب: لأنها بعيدة عن موقع القتال

الشيخ: مبتسما ، ليس هذا هو مقياس الامان يا ولدي، لان البلد الذي أنت فررت منه كان بعيداً عن ميدان القتال وكان اكثر البلدان امنا بحسب مفهومك، أليس كذلك؟

الشاب : نعم ، ولكن إذاً ما هو مقياس الامان يا شيخنا؟

الشيخ : المقياس هو، حال أهل البلد الذي أنت فيه، كيف حالهم والمحرمات (الشرك والكفر وقتل النفس والفسوق والعصيان والمنكر والبغي والاثم والعدوان والزنى والنصب والاحتيال والخيانة والحسد والكذب والنميمة والفاحشة) إن تفشت بينهم هذه الأشياء أو بعض منها فلا تأمن البقاء فيها وتوقع الفتنة في أي لحظة من اللحظات.

الشاب: أنا لا اعتراض لي في ذلك، لكن أيضا للحاكم نصيب كبير في هذا الفساد والتدني العام، فلماذا نرمي كل اللوم على الرعية وكأن الراعي لا ذنب له

الشيخ: نعم اوافقك الرأي ولكن اصلاح فساد الرعية خير من اصلاح فساد الراعي.

الشاب: قل لي يا شيخنا ما الرأي وماذا افعل؟

الشيخ: أليك رأي ولكن كن فطنا يا ولدي لأن آفة الرأي الهوى، وتذكرانني قلت لك (النفوس تعلم أشياء بعلامات) والعاقل يعرف الفتنة قبل وقوعها اما الغافل فلا يعرفها الا بعد ان تدبر ، فلا تكن من الغافلين ، لذلك قالوا (رأي الشيخ خير من مشهد الغلام ،)

الشاب: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام؟ أفصح يا شيخنا

الشيخ: الانفع لشباب اليوم أن يأخذوا من تجارب الشيوخ الذين عانوا في تلك الحياة وتعرضوا لتجربة طويلة فكان لهم الكثير من الآراء والتجارب المختلفة في الحياة، ومن هنا فإنه حق على الشباب الاستفادة منهم وليعرفوا ما هو الصواب والخطأ ،أما العناد وركوب الراس ، ولا حوار ولا مشاركة ولا.. ولا.. هذا أنموذج سيي للانغلاق الفكري ، لأن الحوار هو نشاط عقلي و لفظي بين المتحاورين للوصول إلى اتفاق أو حل ، أما عدم الحوار هو من شيم الحيوانات التي أعطاها الله شهوة فقط ولم يعطها عقل، لذلك تلجأ الحيوانات في حل مشكلاتها الي القوة.. وعندما يرفض الانسان الحوار ينزل الي مرتبة الحيوان ( أكرمكم الله) إن رب العزة جل في علاه حاور ابليس في اكثر من موضع في القران الكريم ، ولله المثل الاعلى

الشاب متعجبا: كيف حاور الله عز وجل إبليس الملعون ، وأين اجد هذا الحوار؟

الشيخ : تجده في مواضع كثيرة في القرآن، وإن شئت اقرأ من آية 12 حتى 18 من سورة الأعراف ( (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ

قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّر فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ. قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ. قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ).. والرسول صلى الله عليه وسلم حاور الكفار والمشركين، وقدّم تنازلات مكتوبة في صلح الحديبية الذي كان ثمرته فتح مكة. ركوب الراس وعدم الحوار ، هو الذي أوصلنا الي هذه الحالة التي نحن فيها

الشاب: هل نفهم من كلامك أنك من أنصار ( لا للحرب)؟

الشيخ: هذا سؤال مفتوح ومن الخطأ ان تكون الإجابة عليه مغلقة ،بكلمة ( نعم) أو ( لا) في مثل هذه الحالات يحتاج الموقف الي قدر من المعلومات ودراسة وتحليل، لأنه يتعلق بمصير بلاد وعباد ولا يجوز فيه الخلط بين (المشاعر والوقائع ) ويجب التخلي عن القبلية والحزبية والجهوية وان يأتي الجميع بقلب سليم ، حتى النتائج سليمةۖ

الشاب: أعطيتني يا شيخنا الراي ولكنك لم تقل لي ما ذا أفعل؟

الشيخ: عليك بالفرار

الشاب (مستغربًا) الفرار ؟ الى أين ؟

الشيخ: فِرْ الي الله يقول الله تعالى: ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) الذاريات آية 50.. فاهربوا أيها الناس من عقاب الله إلى رحمته بالإيمان به، واتباع أمره، والعمل بطاعته

ونحن لا ندري ماذا جعل الله لنا في الغيب، قد يأتي يومٌ يكون فيه الأعداء الذين يقاتلوننا حاليا يكونوا أصدقاء لنا وتتحول الضغائن الي حب ومودة، فقد سمعت الله يقول: (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) الممتحنة

الشاب: هل تقصد أنه من الممكن، ان تنشأ مودة بيننا وبين من يقاتلوننا؟

الشيخ : نعم، ولِمَ لا ؟ بعض المشركين من سادات قريش كانوا ينصبون العداء والعذاب والسخرية والاستهزاء والبغض لمحمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه، ثم هداهم الله، فأسملوا وحَسُن اسلامُهم، فصاروا أولياء وأحزابًا للمسلمين وزادوهم قوةً ومنعة.. ومن كان يتوقع أن يسلم المغول وجيشهم (التتار) الذي قتل وسفك ونكل وأغتصب ونهب، وفعل بالمسلمين ما لم يفعله انسان بأخيه الانسان، وفي نهاية المطاف هداهم الله، فأسلموا واصبحوا قوةً إضافيةً للإسلام

الشاب: سبحان مغيِّر الأحوال من حال الي حال جزاك الله خيرًا يا شيخنا فقد وعظتني حتى رضيت، وهل من نصيحة أخيرة توجهها لي يا شيخنا الفاضل من واقع تجربتك الطويلة في الحياة

الشيخ: نصيحتي لك يا ولدي ، كما روي عن علي رضي الله عنه ( أحبب حبيبك هونا ما عسى ان يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى ان يكون حبيبك يوما ) انتهى.

و أوصيك وصية خاصة في زمننا هذا زمن التعامل مع الشخصيات الافتراضية عبر وسائل التفاصل الاجتماعي

الشاب: تقصد التواصل الاجتماعي

الشيخ: لا أنا اقصد حقا التفاصل الاجتماعي

الشاب: فهمت قصدك يا شيخنا، وماهي نصيحتك لي في زمن العلاقات عبر التفاصل الاجتماعي؟

الشيخ : لا تنفعل ولاتغضب من غير شي ولا تتكلم من غير معرفة ، ولا تثق في كل أحد، ، ولا تفشي سرا ، ولا تتكلم بكل ما يخطر في قلبك ، ولا تتوهم أنك أعقل الناس ، وأعمل بكل ما عندك لتعرف عدوك من صديقك، وتجنب برامج التفاصل ما استطعت، أما في الواقع الفعلي الغير افتراضي، فكر فيمن تحب ولا تمنح أي مساحة لغيرهم ، ابتسم وسع صدرك ، وكن كما قال الشاب الفارس الشاعر، لقيط بن زرارة

لا يملأ الهول صدري قبل وقعته

ولا أضيق به ذرعاً إذا وقعا

خرج الشاب مودعا الشيخ وهو يردد ، لا يملأ الهول صدري قبل وقعته ولا أضيق به ذرعا إذا وقعا، لا يملأ الهول صدري قبل وقعته ولا أضيق به ذرعا اذا وقعا، لا يملأ الهول …….

الشيخ :في حفظ الله ورعايته، وفقنا و إياكم اللهُ

والله أعلى وأعلم

زر الذهاب إلى الأعلى