مقالات الرأي

عمر محمد عثمان يكتب توزيع المسئولية الأمنية عبر المكان… 

بسم الله الرحمن الرحيم

جاء في الأخبار أن لجنة أمن ولاية الخرطوم أقرّت اليوم خططًا جديدة لتعزيز الأمن ووجّهت بتوسعة نطاق الخلية الأمنية. كما صادقت على خطة لتأمين محلية بحري شمال، وذلك خلال اجتماعها برئاسة والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة. وقد أشار التقرير الجنائي إلى انخفاض معدلات الجريمة نتيجة الحملات المنظمة التي أسفرت عن ضبط مسروقات والقبض على متعاونين ومعتادي السرقات.

 

التكيف مع التعقيدات الأمنية في ظل الحرب

 

مع تزايد تعقيد الأوضاع الأمنية في السودان بسبب الحرب الراهنة، أصبح من الضروري تطوير وسائل وخطط أمنية جديدة لمواكبة التحديات المتزايدة. ويأتي إعلان لجنة أمن ولاية الخرطوم بشأن توسعة نطاق الخلية الأمنية وتأمين محلية بحري شمال تأكيدًا على أهمية التكيف المستمر مع المستجدات الأمنية.

 

مفهوم توزيع المسؤولية الأمنية عبر المكان

 

يقوم توزيع المسؤولية الأمنية عبر المكان على تقسيم المهام الأمنية جغرافيًا، بحيث تكون لكل منطقة جهة أمنية أو وحدة شرطية مسؤولة عن حفظ الأمن فيها. يهدف هذا النهج إلى توفير تغطية أمنية تتناسب مع طبيعة كل منطقة والمخاطر التي تواجهها.

 

أهداف توزيع المسؤولية الأمنية

 

1. تحقيق الكفاءة وسرعة الاستجابة:

يتيح تخصيص وحدات أمنية لكل منطقة تحقيق معرفة أعمق بخصائصها وتحدياتها الأمنية، مما يعزز من كفاءة الاستجابة.

 

2. مرونة التوزيع الأمني:

يمكن تعديل توزيع القوات الأمنية تبعًا للظروف، مثل تخصيص وحدات إضافية للمناطق ذات الجرائم المرتفعة أو المتأثرة بالنزوح.

 

3. تقليل الفجوات الأمنية:

يضمن هذا التوزيع تغطية جميع المناطق، ما يحدّ من الفراغات الأمنية التي قد تستغلها الجماعات الإجرامية.

 

شروط نجاح التوزيع الفعّال

 

يتحقق التوزيع الأمني الفعّال عندما يعتمد على تحليل المخاطر الأمنية بدلاً من الاكتفاء بالتقسيم الإداري. فالجرائم قد تختلف داخل المدينة نفسها بناءً على طبيعة كل منطقة. مثلًا، قد تحتاج منطقة تجارية إلى وجود مكثف للشرطة لمنع السرقات، بينما قد تتطلب منطقة أخرى جهودًا لمكافحة المخدرات أو الحد من العنف.

 

الفرق بين التقسيم الإداري والتوزيع الأمني القائم على المخاطر

 

1. التقسيم الإداري:

يعتمد على الحدود الجغرافية والتنظيمية، مثل تقسيم الولاية إلى محليات، ولكل محلية قسم شرطة مسؤول عنها.

 

 

2. التوزيع الأمني القائم على المخاطر:

يعتمد على تحليل معدلات الجريمة وتحديد التهديدات المحتملة، بغض النظر عن الحدود الإدارية.

 

مثال: قد تُعزّز الشرطة وجودها في منطقة تجارية تشهد نشاطًا إجراميًا، حتى لو كانت إداريًا تتبع لمحلية ذات معدلات جريمة منخفضة.

 

التكامل بين الجغرافيا والمخاطر الأمنية

 

يتطلب تحقيق تغطية أمنية فعّالة مواءمة بين التوزيع الجغرافي والتقييم المستمر للمخاطر الأمنية. ينبغي أن تُقسم الشرطة دوائر اختصاصها بناءً على تحليل محدث للأوضاع الأمنية، بحيث تتكيف مع التهديدات المتغيرة بشكل استباقي.

 

خلال فترات النزاع أو الأزمات، قد تتبدل طبيعة المخاطر الأمنية بين مناطق متجاورة، مما يستدعي مرونة في إعادة توزيع القوات. لذا، من الضروري أن يعتمد التوزيع الأمني على التحليل العملي للأمن وليس على التقسيمات الإدارية وحدها.

 

مقترح إعادة النظر في تقسيم دوائر الاختصاص الأمني بولاية الخرطوم

 

تتكون ولاية الخرطوم من سبع محليات، مما يعني أن توزيع الشرطة يعتمد حاليًا على هذا التقسيم الإداري. إلا أن هذا النظام لا يلبي متطلبات توزيع المسؤولية الأمنية بشكل فعال. لذلك، سيكون من الأفضل أن يتم تقسيم الشرطة إلى قطاعات أمنية بناءً على معدلات الجريمة. على سبيل المثال، يمكن أن تشمل إحدى المحليات ثلاثة أو أربعة قطاعات أمنية، بينما يمكن أن تحتوي محلية أخرى على قطاعين فقط، وهكذا. من المهم ألا يكون تقسيم دوائر الاختصاص الأمني والجنائي محصورًا فقط بالتقسيم الإداري للمحليات، إذ يجب أن يعتمد توزيع المسؤوليات الأمنية على أساس معدلات الجريمة والمخاطر المحتملة، لا على الحدود الإدارية. فالاعتماد على التقسيم الإداري التقليدي قد لا يعكس الاحتياجات الفعلية لكل منطقة، خاصة في ظل التباين الكبير في طبيعة التهديدات الأمنية بين المناطق المختلفة.

 

إن توزيع المسؤولية الأمنية عبر المكان يمثل أداة استراتيجية تساهم في تعزيز الأمن والاستقرار، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها البلاد خلال الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح هذا التوزيع يعتمد على المواءمة بين التقسيم الجغرافي وتحليل المخاطر الأمنية الفعلية، مما يتيح استجابة أكثر سرعة وفعالية.

 

التعامل مع الأمن وفق هذا المفهوم يعني تجاوز الحدود الإدارية التقليدية لصالح رؤية مرنة وديناميكية تستجيب للتغيرات على الأرض. إن التقييم المستمر للوضع الأمني، وإعادة توزيع الموارد والقوات حسب الحاجة، يضمنان تحقيق أعلى مستويات الحماية وتقليل الفراغات التي قد تستغلها الجماعات الإجرامية.

 

بهذا النهج المتكامل، يمكن تحقيق حماية فعّالة للمواطنين والممتلكات، مما يعزز الثقة بين المجتمع والأجهزة الأمنية ويساهم في بناء مجتمع أكثر أمانًا واستقرارًا، حتى في ظل أصعب الظروف.

 

ختاماً لابد من الإشادة بمدير شرطة ولاية الخرطوم سعادة الفريق شرطة أمير عبدالمنعم وسلفه سعادة الفريق شرطة إبراهيم شمين وكل قيادات شرطة الولاية على الجهود الكبيرة التي بذلوها خلال العام والنصف الماضيين. لقد أثبتتم التزامكم العميق وحرصكم على تحقيق الأمن والاستقرار في ظل ظروف بالغة الصعوبة.

 

١٨ أكتوبر ٢٠٢٤م

زر الذهاب إلى الأعلى