أعمدة الرأي

إسيديات الثلاثاء.. (عثمان الشيخ الأسيد يرثى كيجاب)..  علوٌ في الحياة وعلوٌ في الممات

 

رحل السباح كيجاب.. يا ابن آدم أنتَ أيامٌ، فإذا ذهبَ يومٌ ذهبَ بعضُك. صدق الحسنُ البصري… ويوما من الأيام سوف تُصبحُ خبرًا، فلتحرص على ان تكونَ خبرًا جميلًا كما صار هذا السباحُ الجميلُ خبرًا جميلًا.. كلُ من عرفه ربطته معه علاقة شخصية، لا يوجد في قاموسه طبقاتٌ، ولا مناصبُ و لا جاه، ولا احسابٌ وانسابٌ، الناس – جميعُهم – في نظره سواسية. كان قلبُه اقربَ الي قلوب كل الناس، وسرعان ما تسقط بينك وبينه مؤنة التحفظ فتنشأ مودة خاصة، وهذا هو سرُ حبه للناس وحب الناس له. كان نسيجَ وحده، عصاميٌ، بنَى نفسَه بكدِّه وكفاحه واجتهاده. كان ذكيًا ذكاءً فطريًا في تعامله مع الناس، كثيرا ما كان يتغافل قالوا التغافل فن لا يتقنه إلا الأذكياء، ومايزال التغافل عن الزلات من أرقى شيم الكرام.. كان جميلًا في حياته، تستطيع ان تُميَّزه من بين جمعٍ غفير من الناس، فهو اطولهم قامةً، والطفهم كلامًا، وأنشرهم إبتسامة. يدخل علينا كالنسمة، ينشر الضَحكَ والفرحَ في نفوسنأ بلطيف اللطائف، وغريب المواقف، وجميل الطرائف.. اذكر عندما كان طالبًا في جامعة القاهرة فرع الخرطوم – وفي منزلنا- طلبت منه خالتُه ( نفرين الاسيد) هكذا اسمها، طلبت منه أن يحجز لها على الخطوط السودانية، الخرطوم / الدبة، فجاء في اليوم الثاني وطلب منها مبلغ مضاعف عن قيمة التذكرة، فاعطته له وهي لا تعرف القيمة الفعلية للتذكرة، وعندما حضر ومعه التذكرة كان لسوء حظه خاله ( الشيخ الاسيد) موجودا، وبطريقة ما أو بأخرى، علم أن كيجاب اخذ مبلغًا مضاعفًا من خالته نفرين عن قيمة التذكرة، فسأله: لماذا هذه التذكرة بهذا السعر، اين باقي المبلغ؟ قال له كيجاب: لا يوجد باقي، انا قلت لهم شوفوا لي تذكرة وحجز (لنفرين) فاخذوا مني هذا المبلغ، فضحك الوالد وضحكنا جميعا، وقال له: حلال عليك.. نسأل الله أ ن يدخله الجنة وهو يضحك.

كان جميلًا في مماته، كان يدخل قلوب الناس دون إستئذان أما هذه المرة فقد استأذننا في الرحيل اخبرنا برحيله أمهلنا، هنيهةً، ثم قفز قفزته الأخيرة، قفزة نحو الأعلى نحو السماء من المنزل الفاني الي المنزل الباقي، قفز نحو الدار التي هي أشرف.

في ليلة تكريمة قبل ثلاثة أعوام من قِبَل أبناء الغابة في الرياض، وفي نفس القاعة أشعلها حركةً ونشاطًا وفرحًا. كان قد حرك كلَّ ساكنٍ. َوفي ليلةِ عزائه حركنا بسكونه، كل الحضور كان يعيش الخيال، خيال أنه معنا، موجود بيننا، يتحدث معنا والينا، صوته كلماته ضحكاته مكان جلسته ومكان مقامه حيث القى كلمةً طويلةً مفيدةً ممتعةً. كل شي يبدو حيا لا يموت، أراكم سرحتم معى، كان ذلك في يوم تكريمه، وكذلك في يوم عزائه، كان حلمًا كان واقعًا.. كان صرحًا من خيالٍ فمضى.. آفة الجهاز العصبي أنه لا يفرق بين الحقيقة والخيال، ولكن الواقعَ الذي لا يخفى هو جمالُ المعزين وجمالُ حضورهم وصدقُ كلماتهم، حتى اطعامهم كان شهيا، وأبي الطقس إلا أن يشاركَ، فاعتدل وصار لطيفًا. وما زالت القاعة تحتفظ بعطره، او خُيِّل الينا ذلك..

علو في الحياة وفي المماتِ،،

لحق تلك إحدى المعجزات،،

عليك تحيةُ الرحمن تترى

برحمات غواد رائحات… ( للشاعر حسن الانباري)

اللهم اغفرله وأكرم نزله، وتجاوز عن سيئاته، وأدخله جنتك.. نحن نحسن الظن فيك ونعلم أنك على كل شيءٍ قدير..

إنا لله وإنا اليه راجعون

22 أكتوبر 2024م

زر الذهاب إلى الأعلى