عمر محمد عثمان.. يكتب .. حرب الشرطة والجريمة: التحديات والإجراءات في مواجهة تفشي الجريمة في السودان

في الآونة الأخيرة، عادت ظاهرة “تسعة طويلة” إلى الواجهة، مما أثار القلق بين المواطنين، خاصةً بعد وقوع عدة حوادث نهب تحت تهديد السلاح في بعض أحياء الثورة بأمدرمان. إلى جانب ذلك، أصبحت الفوضى الناتجة عن إطلاق الأعيرة النارية العشوائية في المناسبات الاجتماعية تشكل تهديداً إضافياً للأمن العام، مما يفرض على الشرطة بذل جهود كبيرة في ظل الأوضاع الاقتصادية والأمنية المتدهورة. يستعرض هذا المقال التحديات التي تواجه الشرطة السودانية في مواجهة الجريمة المتصاعدة، والخطوات المتخذة للحد من آثارها على الأمن المجتمعي.
إطلاق النار العشوائي في المناسبات
رغم التعديل الذي تم في العام ٢٠١٨ على المادة (٢٦) من قانون الأسلحة والذخيرة المفرقعات لسنة ١٩٨٦م ، وفرض عقوبات صارمة لمكافحة ظاهرة إطلاق الأعيرة النارية في المناسبات الاجتماعية تصل إلى السجن خمسة سنوات أو الغرامة، إلا أن هذه الظاهرة ما زالت مستمرة. ربما أسهمت ظروف الحرب وانتشار السلاح في زيادتها، مما يرفع مستوى الخطر في المناطق السكنية. لا تمثل هذه الظاهرة خطراً على سلامة الأفراد فحسب، بل تضع أيضاً تحديات أمام الشرطة لضبط السلوكيات المخالفة وتطبيق القانون بحزم. يتطلب التصدي لهذه الظاهرة سنّ قوانين صارمة وتطبيقها بجدية، مع ضرورة تضافر الجهود المجتمعية لتغيير هذه العادات السلبية.
صعوبة منع الجريمة بالكامل
تتأثر معدلات الجريمة بعوامل متعددة، منها الاجتماعية، الاقتصادية، النفسية، وحتى الفردية، مما يجعل القضاء عليها كلياً صعباً، إن لم يكن مستحيلاً. رغم ذلك، يمكن للدولة والشرطة الحد من الجرائم وتقليل معدلاتها من خلال استراتيجيات تتضمن التربية والتوعية، تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير قدرات قوات الشرطة والأجهزة الأمنية. كما أن تحديث القوانين وتطوير التشريعات يعززان القدرة على ضبط الجناة وردعهم، مما يسهم في تعزيز الأمن المجتمعي وإبعاد الأفراد عن سلوكيات العنف والانحراف.
دور المجتمع في مكافحة الجريمة
يعد إشراك المجتمع في مكافحة الجريمة جزءاً أساسياً من الحلول الفعالة. فإبلاغ المواطنين عن الجرائم في أحيائهم، سواء كانت خطيرة أو بسيطة، من أهم الوسائل التي تعزز كفاءة الشرطة في أداء مهامها، حيث يُسهم الإبلاغ في تحسين دقة الإحصائيات، مما يؤثر مباشرةً في وضع استراتيجيات مكافحة الجريمة. وتتمثل أهمية هذا الدور المجتمعي في:
• تحسين الرصد الجنائي: يسهم الإبلاغ عن الجرائم في تمكين الشرطة من إعداد إحصائيات دقيقة تعكس الواقع، مما يساعد في تطوير استراتيجيات أمنية فعّالة. بالمقابل، يعد عدم الإبلاغ سلوكاً سلبياً يؤثر على دقة الرصد الجنائي، وقد يؤدي إلى ظهور تقارير جنائية رسمية تشير إلى انخفاض غير حقيقي في معدلات الجريمة.
• رسم خريطة الجريمة: بناءً على المعلومات المقدمة من المواطنين، يمكن للشرطة توجيه مواردها إلى المناطق التي تشهد ارتفاعاً في معدلات الجريمة، مما يزيد من فعالية جهودها في حماية المواطنين.
• تعزيز الشراكة المجتمعية: يسهم إبلاغ المواطنين في بناء علاقة شراكة قوية بين الشرطة والمجتمع، مما يعزز الثقة المتبادلة ويساهم في تعزيز الأمان.
الشرطة المجتمعية: خطوة نحو تعزيز الأمن
خلال زيارة السيد مدير عام قوات الشرطة الفريق أول خالد حسان محي الدين وعدد من قيادات الشرطة إلى ولاية الخرطوم، محلية كرري أمس السبت، تم إطلاق مشروع الشرطة المجتمعية كخطوة مهمة لتعزيز الأمن من خلال إشراك المواطنين. ويهدف هذا المشروع إلى مراقبة الأحياء ورصد الأنشطة الإجرامية، إضافة إلى تقديم معلومات أمنية للجهات المعنية. وقد أعلن مدير عام الشرطة عن دعم الشرطة المجتمعية بمركبات وآليات جديدة لتعزيز جهودها في رصد الجرائم ومتابعة المخالفين.
دعم الشرطة المجتمعية في السودان
في إطار توجيه الموارد البشرية واللوجستية، تم إنشاء مراكز مجتمعية وتوسيع اللجان المجتمعية التي تلعب دوراً هاماً في مراقبة الأحياء ورصد الأنشطة غير القانونية. كما أُقيمت ورش عمل ودورات تدريبية لتأهيل أفراد الشرطة المجتمعية وتمكينهم من أداء مهامهم بفعالية أكبر، إضافة إلى زيارات تفقدية من قبل قيادة الشرطة لدعم الأنشطة المجتمعية. تعزز هذه الخطوة مفهوم الشراكة بين الشرطة والمجتمع، حيث يسهم الجميع في الحفاظ على بيئة آمنة ومستقرة.
التحديات التي تواجه الشرطة
بالرغم من الجهود المبذولة، تظل هناك تحديات كبيرة تواجه الشرطة في مكافحة الجرائم وسط ظروف اقتصادية وأمنية معقدة. تتطلب محاولات مكافحة الجريمة تنسيقاً عالياً بين المجتمع المدني والشرطة، حيث يلعب كل منهما دوراً حاسماً في تحقيق الأمان والاستقرار. في ظل الموارد المحدودة، تواجه الشرطة تحديات تتعلق بتوفير الإمكانيات اللوجستية والبشرية الكافية لمواكبة تزايد معدلات الجريمة وأنماطها الجديدة.
في الختام، تعتبر مكافحة الجريمة حرباً مستمرة تتطلب تضافر الجهود بين الشرطة والمجتمع لتحقيق بيئة آمنة ومستقرة. ورغم أن القضاء الكامل على الجريمة قد يبدو هدفاً بعيد المنال، إلا أن بناء شراكات قوية بين المجتمع والشرطة يسهم في تقليص معدلاتها وتحقيق الأمن. إن دعم المبادرات الأمنية، مثل تفعيل الشرطة المجتمعية ورفع الوعي المجتمعي، يمكن أن يُحدث أثراً ملموساً في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، مما يجعل الجميع شركاء في بناء مجتمع آمن ومستقر.
٢٧ أكتوبر ٢٠٢٤م


