أعمدة الرأي

عثمان الشيخ الاسيد .. يكتب في اسيديات الثلاثاء .. (الكهانة والخرافة وابن الهرمة)

 

من عجائب البشر وغرائب القَصَص، ثلاثةُ كهنة أمرهم عجيب: ( شق.. وسطيح.. وسواد بن قارب).. وأشخاصٌ التصقت بأسمائهم صفاتٌ لا زالت تُضربُ مثلًا لكل من عمل بعملهم، مثل (خُرافة) الذي يُنسبُ إليه كلُ حديثٍ غريب، و(إبن الهرمة) الذي اصبح صفةً لكلِ انسانٍ سيء.. من هم هؤلاء؟ نسبهم حقيقتهم قَصَصُهم..

ولنبدأ بالصحابي الذي كان كاهنًا، وكيف أسلم وحَسُنَ إسلامُه.. (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم)الشعراء.. الكهانةُ كانت ذائعةَ وشائعة قبل ان تُحرس السماء (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا.) الجن آية 8..

وبعد البعثه اختفى الكهنةُ تمامًا، ولم يبقَ لهم أثرٌ، وكان وضعهُم قبلَ بَعْثةِ النبي صلى الله عليه وسلم، مختلفًا تمامًا عن وضعهم بعد بعثته، لأنه – بعد البعثة – تم منع الجن عن أخبار السماء، وبالتالي سيُمنعُ الكهنةُ من اخبارِ السماء، لأن مصدرَهم الأصلي – وهم الجن- مُنعوا من الأخبار.. اللهُمَّ اجعل النجومَ رجومًا للأقمار الاصطناعية، كما جعلتها رجوما للشياطين، كي تنقطع أخبار شياطين الانس، كما قطعتَ أخبار شياطين الجن، فإنك تعلم و لا نعلم وتقدر ولا نقدر، إنك على كل شي قدير..

*( سواد بن قارب) الكاهن سابقاً وقصة إسلامه العجيبة:*

كان يتكهن في الجاهلية، وكان شاعرًا، ثم اسلمَ فاصبحَ هو الصحابي الجليل سواد بن قارب الدوسي الزهراني. وعن قصة إسلامه، وما أراه له الجن من ظهور رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقول سواد: كنتُ نائمًا، فإذا بالجن الذي كان يساعدني في الكهانة يأتيني ويركلنى برجله ويقول لي: قم يا سواد! فقمتُ وقلت له: ما شأنُك؟ فأنشد لي: هذه القصيدة:

عجبت للجن وتطلابها … وشدها العيس بأقتابها

تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما صادق الجن ككذابها

فارحل إلى الصفوة من هاشم … لَيْسَ قداماها كأذنابها..

يقول سواد: فتجاهلته ونِمت. ثم جاءني في اليوم الثاني وأنشد لي قصيدةً أخرى، تحمل نفس المعنى ولكن بقافية تختلف:

عجبت للجن وأنجاسها ورحلها العيس بأخلاسها..

يقول: تجاهلته.. ثم جاءني اليوم الثالث، بقصيدة أخرى تحمل نفس المعنى ولكن بقافية تختلف وهي:

أتاني نجيي بعد هدء ورقدة … ولم يك فيما قد بلوت بكاذب..

وقال سواد: فعلمت أن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قد أراد بي خيرًا.. فسرتُ حتى أتيتُ النَّبِيّ، فأخبرته بما حدث لي مع الجني، فقال صلى الله عليه و سلم: إني أعلمُ ما حدث لك يا سواد، فأسلم وحَسُنَ إسلامُه. وتوفى سوادٌ في عهد عمر رضى الله عنهما، ودُفن في حمص،

وله قصة مع عمر رضي الله عنه، فقد داعبه يوما قائلا له: ما فَعَلتْ كهانتُك يا سواد؟ فغضب سوادٌ وقال لعمر: يا أمير المؤمنين، ما قالها لي أحدٌ قبلك! إن ما كنَّا عليه – نحن وأنت يا عمر – من جهلنا وكفرنا شرّ من الكهانة، فما لك تعيرني بشيء تبت منه، وأرجو من الله العفو عنه؟ فاستحى عمر، ثم قَالَ له: يا سواد، الذي كنا عليه من الشرك أعظم من كهانتك.. عمر بن الخطاب رضى الله عنه – وهو أميرا للمؤمنين – يعترف ويعتذر لرجلٍ من عامة الصحابة، لنرى رؤية القيادة الواعية والزعامة المستحقة وسمو الاخلاق ، انهم حقا عدول..

*الكاهن ( شِقْ)*:

إسمه شقٌ بن صعب بن يشكر البجلي، ويقال إنه كان من عجائب المخلوقات،

فقد كان نصف إنسان وله يدٌ واحدة، ورجلٌ واحدة، وعينٌ واحدة، لذلك كان يقال له (شق). وهو كاهنٌ جاهليٌ من معاصري سطيح الكاهن،( سوف نتعرض له تاليا) وكانا يُسْتَدْعَيانِ أحيانًا للاستشارة أو تفسير بعض الأحلام.. وقد عاش (شق الكاهن) إلى ما بعد ولادة النبي، وقد عمَّر طويلًا. ولا أدري كيف كان سيتعامل معه الناس لو كان حيًّا حتى الان؟ هل يسافر بنصف تذكرة؟ وهل يصدر له نصف جواز؟ وكيف يحسب صوته في الانتخابات؟ أم كان سيكمل نصفه الاخر بالذكاء الاصطناعي؟ ولله في خلقه شؤون!!

*الكاهن ( سطيح):*

هو ربيع بن ربيعة. من بني ذئب من اليمن، هو كاهن تنبأ للملك ربيعة بن نصر ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم. ويقال إن سطيحاً كان لا أعضاء له، وإنما كان مثل السطيحة، ووجهه في صدره. قيل إن سطيحًا سُميَ بهذا الاسم، لأنه كان إذا غضب قعد منبسطًا على الأرض، وقيل: سمي بذلك لأنه كان أبدًا منبسطًا، منسطحًا على الأرض لا يقدر على قيام ولا قعود. ويقال: كان لا عظم له سوى رأسه، وكان يُطوى كما تُطوى السجاد. أما هذا، لو كان عائشا حتى عصرنا هذا، فأمره يكون سهلا، لا جواز سفر ولا تذكرة سفر كان يطوى ويشحن مع البضاعة..

*خرافة:*

هو رجلٌ من بني عذرة، غاب عن قبيلته زمناً ثم عاد فزعم أنَّ الجنَّ سبته، ( أخذته سبيًا) وأنه رأى أعاجيبَ، جعل يقصها عليهم، فأكثر ( يعنى زودها شوية) فقالوا في الحديث المكذوب (حديث خرافة) وقالوا فيه (أكذب من خرافة) وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خرافة حق. يعني ما يحدث به عن الجن حق ( هذه هي حقيقة الخرافة وحديث الخرافة. َورجلٌ مخرِّف) هل كنت تظن قبل ذلك أن خرافةَ إسمٌ لرجل؟ نعم خرافة إسم لرجل من بنى عذرة فلا تظن – رحمك الله – انني مخرف.

*إبن الهرمة المتوفى في 176هـ،:*

(ابن الهرمة) عبارةٌ نسمَعُها كثيرًا فى المجتمع، وتدلُ على الشخص السيئ، ولكن هل تعرف معنى هذه الكلمة ومن هو الشخص الذي نسبت اليه؟ إنه إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة الكناني القرشي، كان دميمَ الشكل وبخيلًا لأقصى درجة، كما اشتهر بحبه الشديد للخمر حتى أنه أنشد فيه الشعر، وتم جلدُه بسببه، ولكنه لم ينتهِ عنه، ولكن كل هذه الأسباب غيرُ مقنعة بالنسبة لي لأن يكون اسمه معنى لكل انسان سيء، لا بد ان هناك أشياءُ أخر، لا شك أنَّ له مواقفًا وقصصًا كثيرةً، جلبت له صفةَ السوءِ هذه. وهناك قصة شهيرة حدثت له مع الخليفة العباسى المنصور. تقول القصة إن ابن الهرمة كان يذهب الى الخليفة العباسي المنصور فى الليل لمدحه، فأعجب المنصور بشعرة وبراعته فيه، فأعطاه عشرة آلاف درهم فردها إليه أبنُ هرمة، فتعجب المنصور وسأله لماذا ترد العطيةَ؟ ( وأنا أيضا تعجبت، كيف للبخيل ان يرد المال؟) لا بد أن هناك سببا قويا، فقال له أبن هرمة: إنني لا أُريدُ مالًا، ولكن أريد أن تسمحَ لي بشربِ الخمر، وأن تُصدرَ اوامرك للشرطة بعدم القبض عليَّ إذا وجدوني سكرانا.. (إذا السبب هو الإدمان).. فقال له الخليفة: أتريدني ان أُعطلَ حدودَ الله، يا فاجر؟ فقال له ابنُ هرمة: لا،الامر ليس كذلك يا امير المؤمنين.. فقال له: أجل إذاً كيف؟ أخبرني. وهنا خطرت لابن الهرمة خطةٌ فى غاية الذكاء تجعله لا يقع فى أيد حراس الخليفة، فقال للخليفة: أن تُصدر أمرًا بأن إذا ضُبِطَ ابنُ الهرمة سكرانًا في أي وقت من أوقات الليل والنهار يجلد ثمانين جلدة، ويُجلد من شارك في القبض عليه مائةَ جلدة.. وفعلاً صدر الأمر بذلك للشرطة وانتشر الخبر وعلمه كلُ الناس، فلم يغامر أحدٌ بالإخبار عنه، أو المشاركة في القبض عليه، وكانت الشرطة تتفاداه، خوفًا من الجلد مئة جلدة، فصارت شرطةُ المدينة تمر به، وهو سكران، فينادي فيهم أبن الهرمة ويقول: “من يشتري الثمانين بالمائة؟ فيتجاهلونه فيضحك.. أنا لا أرى ان في هذا التصرف ما يسيء اليه، حتى يكونَ نعتًا لكل انسان سيء، إن كان هذا هو السبب، فكلنا أولاد هرمة ولا فخر.

أما المصادر، فلا يكاد يخلو كتابٌ من كُتبِ التراث الإسلامي والتراث العربي من قصص هؤلاء وغيرهم..

والله أعلى وأعلم

29 أكتوبر 2024م

زر الذهاب إلى الأعلى