العنكبوت: د. مهند عثمان التوم .. يكتب .. بريطانيا ونداءُ السودانيينَ: مُراجَعَةُ التَّوَجُّهاتِ بَعْدَ نَدْوَةِ تشاتهام هاوس

يَنْسِجُ العنكبوتُ دائماً مُنْفَرِداً ويتناولُ القضاياَ قَبْلَ أو بَعْدَ الرَّأيِ، وهذِهِ المَرَّةَ يَصْعَدُ مَعَ الصَّاعِدِينَ في قِطارِ تشاتهام هاوس لإكمالِ الحلقاتِ لِلقُرّاءِ والْمُتَابِعِينَ لِمُخْتَلِفِ الآراءِ، تُعْتَبَرُ بريطانيا مِنَارَةَ الدِّيمُقْراطِيَّةِ ثابتةً في تَأكيدِهَا علي الحُقُوقِ المدنيةِ والحُرِّياتِ الأساسيةِ، وهي تُـمَثِّلُ نَمُوذَجاً يُحْتَذَى بِهِ مُنذُ إقرارِ ميثاقِ الحُرِّياتِ العظيمِ (ماجنا كارتا) عام1215م، لَمْ يُفْرِضْ هذا الميثاقُ فَقَطْ حُقُوقَ الأفرادِ بلْ شَرَّعَ حَقَّ الجماهيرِ في اِخْتِيَارِ مُمثِّليها مِمَّا يُعْطِي وَزْناً كبيراً لصَوْتِ الشَّعبِ في مُساراتِ الحُكْمِ وصُنْعِ القرارِ.
أَبْدَى أَهْلُ السودانَ بِـوُضوحٍ رأيَهُمْ في خُطْوَةٍ تُجَسِّدُ سَعْيَهُمْ نحوَ الدِّيمُقْراطِيَّةِ أمامَ (تشاتهام هاوس) فَقَدْ عَبَّرُوا بِشَكْلٍ واضحٍ وَصريحٍ عَنْ رَفْضِهِمْ لِـمُجْمُوعَةِ (تَقَدُّم) بِقِيَادَةِ الدكتورِ حمدوكَ وهذا الرَّفْضُ الذي لا لَبْسَ فيهِ يَصِبُّ في سِياقِ المُطالَبَةِ بِتَغْيِيرٍ حقيقيٍّ يُـعَبِّرُ عَنْ تَطَلُّعاتِ الشَّعبِ السودانيِّ الْصَّوْتُ الذي اِرْتَفَعَ في تلكَ النَّدْوَةِ جَلَبَ اِنْتِباهَ العالَمِ وأَصْبَحَ مِنَ الضَّرُورِيِّ علي دَوائِرِ صُنْعِ القرارِ في العالَمِ والْمُمْلَكَةِ المُتَّحِدةِ، أنْ تُـعِيدَ النَّظَرَ في مَواقِفِهَا تِجاهَ هذهِ المجموعةِ رَغْمَ تَأكيدِ حمدوكَ بَعْدَ النَّدْوَةِ، بأنَّهُ لا يَجْتَرُّ خَلْفَ العَوْدَةِ لِلسُّلْطَةِ قائِلاً بأنَّهُ قَدَّمَ اِسْتِقالَتَهُ ومِنْ مَنْطَلَقِ مَسْؤُولِيَّتِهِ كَـآخِرِ رئيسِ حُكُومةٍ تَحَرَّكَ مِنْ أجلِ أنْ يُوقِفَ الحرب حَدِيثٌ لَمْ يُقْنِعِ المُسْتَمِعِينَ مِنْ قِبَلِ حُكُومةِ بريطانيا، فَقَدْ سَقَطَ حمدوكَ في خِطابِهِ المُـقْطَعِ بِالنَّدْوَةِ عِنْدَما تَحَدَّثَ عَنْ حياةِ أو مَماتِ حميدتي كَانْصِرافٍ عَنْ جَوْهَرِ القضيةِ السودانيةِ.
الجانبُ الغَيْرُ المَرْئِيِّ في هذهِ النَّدْوَةِ كانَ دونَ أدنى شَكٍّ مُلْفِتاً العلاقاتُ الدوليةُ والاعتباراتُ الأخلاقيةُ، إذْ شَهِدَتْ أَحداثُ (تشاتهام هاوس) حُضورَ شَخْصِيَّاتٍ إعلاميةٍ رَفِيعَةَ المُسْتَوى ما عَزَّزَ مِنْ قُوَّةِ الرِّسالَةِ التي تَمَّ تَدَاوُلُهَا علي الإعلامِ العالميِّ اِسْتِيعابَ أنّ مُجْمُوعَةَ (تَقَدُّم) لَيْسَتْ مَوْضِعَ تَرْحِيبٍ في وجدانِ الشَّعبِ السودانيِّ ولا يُمْكِنُ القبولُ بِهَا كَخِيارٍ يُـمَثِّلُ تَطَلُّعاتِهِمْ وحاجاتِهِمْ.
سؤالٌ: مَنْ كانَ يُديرُ مَنَصَّةَ حِوارِ تشاتهام هاوس؟ هَلْ تَسْتَطِيعُ مُجْمُوعَةُ تَقَدُّم أنْ تُعْلِنَ أنّ مَنْ أَدارَ الحِوارَ في تلكَ النَّدْوَةِ هِيَ السَّفِيرَةُ روزاليند مارسدن، الدِّبلوماسيةُ البريطانيةُ، التي صَرَّحَ المُخْلُوعُ البشيرُ بأنَّهُ عَنَّفَهَا لَفْظِيّاً، عِنْدَ نِهايةِ خِدْمَتِهَا في السودانَ، عامَ 2010، عِنْدَما حاوَلَتْ إِملاءَ تَعْلِيماتٍ علي الحكومة وهُوَ ما عَبَّرَ عنهُ البشيرُ في خِطابٍ شعبيٍّ بـ(صَرَفْتُ لِـهَا بَرْكاوِيّاً)؟ هَذا السؤالُ لا يُعْكِسُ فَقَطْ تَحَوُّلَ الأَحداثِ بلْ يُبْرِزُ حَقِيقَةَ أنّ الشَّخْصِيَّاتِ التي كانتْ تَتَدَافَعُ لِاسْتِغْلالِ الأوضاعِ قَدْ تَتَعَرَّضُ الآنَ لِفَحْصٍ دقيقٍ مِنْ قِبَلِ الشُّعُوبِ التي تَسْعى لِإِنْصافِهَا.
وعلي ضوءِ ذلكَ نَدْعُو إلي الحَذَرِ وَالتَّأَمُّلِ، فَالدُّوَلُ التي تَهْتَمُّ بِالشَّأنِ السودانيِّ وخُصُوصاً المُـمْلَكَةُ المُتَّحِدةُ مُدْعُوَّةٌ لِلتَّرَيثُّ قَبْلَ أنْ تَتَبَنَّى مَواقِفَ قَدْ لا تُـعَكِسَ واقعَ الشَّارعِ السودانيِّ، فَالأَحداثُ تُظهِرُ أنّ التَّوَجُّهاتِ السياسيةِ المحليةِ في حاجةٍ قَوِيَّةٍ إلي فَهْمٍ عَمِيقٍ َإِدْراكٍ واضحٍ لِنَبْضِ المُجْتَمَعِ وَالْمُشاركةُ الشَّعبِيَّةُ في اِتِّخاذِ القراراتِ هِيَ السَّبيلُ الأَكْثَرُ مَتانَةً نحوَ تَحْقِيقِ الاِسْتِقْرارِ السياسيِّ وَالاجتماعيِّ لِلسُّودانِ.
لِنَنْظُرْ بِعَيْنٍ مُـتَقَرِّبَةٍ إلي حَقائِقِ أَهَمِّيَّةِ أَنْشِطَةِ وسائِلِ الإعلامِ في نَقْلِ الواقعِ ونَدْعُو إلي ضَرُورَةِ تَفاعُلِ المُجْتَمَعِ الدوليِّ مَعَ أصْواتِ الشُّعُوبِ فَفَهْمُ احتياجاتِ الجُمُوعِ وتَطَلُّعاتِهِمْ هُوَ ما يُمْكِنُ أَنْ يُحَقِّقَ السَّلامَ وَالاِسْتِقْرارَ في دُوَلٍ مُحَاصَرَةٍ بِالأَزْماتِ.
عَنْكَبُوتِيَّة: لِنَخْرُجْ مِنْ قُوقَعَةِ المصالحِ الشَّخْصِيَّةِ والحزبيةِ لِنَضَعْ مَصلحةَ الشُّعُوبِ في المُقَدِّمَةِ ونَسْتَمِعْ لِما يُـعَبِّرُ عنهُ المواطنونَ فَالْمَسارُ الذي نَسْتَعِيدُهُ عَبْرَ الجسورِ بينَ الأممِ، هُوَ المَسارُ الذي يُفْضِي إلي حياةٍ أَفْضَلَ لِلْجَمِيعِ.*


