فنجان الصباح ،، أحمدع الوهاب .. يكتب .. بطاقة حب إلى اسمرا!!!

يفخر كاتب هذه السطور بأنه احد اصدقاء الثورة الاريترية قبل الاستقلال ومنذ اكثر من ٣٥ عاما.. وعمل مراسلا حربيا ابان اكثر فترات النضال ضد نظام الدكتاتور الاثيوبي منقستو هايلي مريام واشدها خطورة وشراسة..
استدعاني استاذنا الراحل محمد الحسن أحمد صاحب صحيفة الاضواء إلى مكتبه ذات يوم من بدايات صيف عام ١٩٨٩م..ووجدت معه الاستاذ محمد علي عمرو مدير مكتب الثورة بالخرطوم انذاك – والسفير لاحقا- وسالني ان كنت مستعدا للسفر للأراضي المحررة ولكن تولى الاجابة نيابة عني صاحب الاضواء نفسه ( سيسافر انا واثق من ذلك.. الرجل جعلي بالاصل)
رفقة الزميل الصحفي الراحل عبد الواحد كمبال له الرحمة والاستاذ صالح ايمان (السفير فيما بعد) كانت سيارة لاندكروزر تنهب بنا الارض نهبا من بورسودان إلى طوكر إلى خور بركة وهو طريق بري غير معبد يجتاز اراض فضاء خلاء ثم يدس نفسه في غابات شوكية تتخللها معسكرات للثوار ومحطات لخدمة المسافرين من الداخل الاريتري إلى بورسودان. وهو ذات الطريق الذي سلكه الرئيس اسياس في زيارته البرية لبورسودان قبل عشر سنوات تقريبا..
كانت رحلة تلك جبلية وخطرة.. لاتكاد الارض تنبسط امامنا حينا الا لتسلمك إلى اودية سحيقة ثم لا تلبث حتى تبتلعك سلاسل جبال شاهقة لا نهاية لها. تجعلك تسخر من عقبة بورسودان على الطريق الاتحادي والتي تبلغ أقصى ارتفاعها عند منطقة (صمد) وقيل لي وقتها انها تحوير سوداني للكلمة الانجليزية Summit والتي تعني القمة أو الذروة.. وكان سائق السيارة الاريتري دانيل مثال السائق الماهر المسؤول.. كان طيلة الرحلة لايدخن ولا يتعاطى الخمر.. ويكون حاضرا دوما وفي قمة الانتباه في أي وقت.. وقد اشادت به حينها السيدة كينوك قرينة زعيم حزب العمال البريطاني نيل كينوك عند زيارتها للأراضي المحررة.. كانت الطرقات تدور حول الجبال الشاهقة في حركة لولبية مثيرة وخطيرة وكأنها أفعى كونية هائلة.. بينما كانت بطون الأودية تزدهر فيها ازهار الربيع والطيور الملونة وتجري فيها ينابيع مياه رقراقة وعذبة
صانعة شبكة معقدة من الجداول تكاد تنسيك حرب غوريللا شرسة يقودها ثوار اريتريا ضد نظام الدرق في اديس المزود بأحدث أسلحة الاتحاد السوفيتي العظيم.
كنا نتوقف في بعض البلدات نأخذ قسطا من راحة نهارية ونستأنف السفر ليلا لتفادي طلعات سلاح الجو الاثيوبي..
وقد قدر لي ان التقي مجموعة من قادة المقاومة ابرزهم عبد الله توتيل واحمد بادوري وآخرين واجري معهم حوارات نشرتها الاضواء علي حلقات.. ولكن فرصة لقائي بالرئيس اسياس كانت قد تبخرت فقد قيل لي بأن اسياس قد غادر إلى الخرطوم للقاء الرئيس جيمي كارتر مبعوث إدارة ريجان للقرن الافريقي ..
كانت الأراضي المحررة تنتظم في بعض مدنها الحياة بصورة طبيعية مثل افعبت ونقفة وغيرها من مدن وبلدات مديرية الساحل.. وكانوا جميعا معجبون بشخصية اسياس وقيل لي انه يأكل معهم وجبة مؤلفة من كسرة اريترية بالعدس ويحتذي ( الشدة) وينام مثلهم في الخيام او الكهوف في المناطق المتاخمة لجبهات القتال. وكانت مصانع الادوية والاحذية وغيرها تعمل داخل الجبال بحيث لا يمكن رصدها او تدميرها بواسطة سلاح الطيران..
وقد وجدت عددا من الاطباء والصيادلة الاريتريين تخرجوا في جامعات السودان .. وكانوا بحملون للسودان حبا جما ووفاء كبيرا.. وزرت جبهات القتال ودخلت في الخنادق الامامية ورأيت ارتالا من الدبابات والمدرعات وحاملات الجند مدمرة وآلاف الأسرى و القتلي من الجيش الاثيوبي وكانت الجثث في مناطق الاشتباك ملقاة في العراء ولايمكن الوصول اليها بسبب القناصة..
وعدت للخرطوم معجبا بهذه الثورة الشابة..ووضعت الحلقات اما الاستاذ محمد سعيد معروف رءيس مجلس الادارة والاستاذ محمد الحسن احمد رئيس تحرير الاضواء وقال هو يسلمها للاستاذ الكبير شريف طمبل رحمه الله
هذه صورة قلمية بديعة..
ولما رويت تفاصيل الرحلة للاستاذ حسين خوجلي كتب في الوان يقول (اعطني بندقية اعطك سلاما)
سقى الله هاتيك الايام


