أعمدة الرأي

ثقافة قانونية..(143) د. عبد الرحيم حاج الامين.. يكتب.. العدالة الانتقالية..   Transitional justice.

 

أولاً:- ماهو المقصود بمعنى العدالة الانتقالية……؟

يُعد مفهوم العدالة الانتقالية نظاماً حديثاً نسبياً في إطار الأنظمة القانونية والعدلية الهادفة لتحقيق العدالة. يشير هذا المفهوم إلى مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية التي تبنتها بعض الدول التي خرجت من ظل أنظمة شمولية لمعالجة الانتهاكات الجسيمة بحقوق الإنسان، الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب. وتشمل هذه التدابير محاكم وطنية أو دولية أو مختلطة. كما تتناول العدالة الانتقالية قضايا الفساد المستشري والممنهج الذي أضر بمقدرات البلد الاقتصادية، إضافة إلى حالات التهجير القسري للمجتمعات المحلية وضمان العودة الآمنة، واستعادة حقوق الملكية، ومعالجة قضايا المفقودين، وهي من القضايا الشائكة في ظل الأنظمة الشمولية.

وتُعرف العدالة الانتقالية الشاملة بأنها تسعى لتحقيق التوازن بين تحقيق العدالة ومواجهة المقاومة إزاء الانتهاكات الجسيمة، لا سيما المتعلقة بحقوق الإنسان. تلعب مؤسسات المجتمع المدني والإدارات الأهلية دوراً هاماً في هذا السياق. تتضمن العدالة الانتقالية مجموعة من الترتيبات القانونيةوالاجتماعية والنفسية والمالية، وتهدف أحياناً إلى امتصاص الغضب الناتج عن الظلم الذي وقع.

برز مفهوم العدالة الانتقالية في تسعينيات القرن الماضي، عندما صاغ عدد من الأكاديميين الأمريكيين المصطلح لوصف الطرق المختلفة التي واجهت بها بعض الدول الانتهاكات الفظيعة المرتكبة من الأنظمة السابقة. رغم اختلاف التجارب من دولة لأخرى، فإن الإطار العام للعدالة الانتقالية يتجذر في مسألة المساءلة ومنع الإفلات من العقاب، وجبر الضرر للضحايا، سواء مادياً أو معنوياً، تحت إشراف الدولة أو عبر صناديق خاصة تمولها الدولة وتدعمها الجهات المحلية والدولية.

تُعترف العدالة الانتقالية بكرامة المواطنين وفقاً للعهود والمواثيق الدولية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. تتضمن التدابير المستخدمة في العدالة الانتقالية الملاحقات القضائية، لجان التحقيق، لجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر، وتعمل هذه التدابير بشكل مكمل للنظام التشريعي القائم. وقد يتطلب تنفيذ العدالة الانتقالية إصدار تشريعات قانونية مناسبة تتواءم مع الأنظمة الوطنية، بما في ذلك تعديل الدستور أو النص عليه. كما تتطلب العدالة الانتقالية إصلاح المؤسسات المسؤولة عن التشريع وتنفيذ القانون، مثل البرلمان والقضاء والنيابة العامة والشرطة، لضمان المساءلة وحكم سيادة القانون.

يمكن تلخيص أهداف العدالة الانتقالية وسماتها الثابتة في النقاط التالية:-

1.الاعتراف بكرامة الإنسان وأفراد المجتمع.

2.الإنصاف والاعتراف بالانتهاكات.

3.مكافحة الإفلات من العقاب.

4.تعزيز دور المرأة والطفل والشباب في القضايا التي تؤثر عليهم.

5.منع تكرار هذه الممارسات في المستقبل.

ثانياً:-التجارب الناجحة للعدالة الانتقالية في المحيط الإقليمي شهد العالم أكثر من 30 تجربة للعدالة الانتقالية، من أبرزها تجارب تشيلي، الأرجنتين، بيرو، السلفادور، رواندا، سيراليون، جنوب أفريقيا، تيمور الشرقية، صربيا، اليونان، والمغرب. وتُعد تجارب جنوب أفريقيا ورواندا من النماذج الناجحة التي ساهمت في تحقيق الاستقرار الاقتصادي لمواطنيها.

1.تجربة لجنة الحقيقة والمصالحة بجنوب أفريقيا

تُعتبر تجربة العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا رائدة، حيث سعت للقضاء على نظام التمييز العنصري (الأبارتيد) من خلال “لجان الحقيقة والمصالحة” التي توصلت إلى كشف التجاوزات وإنصاف الضحايا والوصول إلى تسوية شاملة بين الجاني والضحية بصورة غير جزائية. بدأت هذه العملية بسن قانون “الوحدة الوطنية والمصالحة”، وعين الرئيس نيلسون مانديلا القس ديزموند توتو رئيساً للجنة، التي انقسمت إلى ثلاث لجان فرعية:-

أ/لجنة انتهاكات حقوق الإنسان: للتحقق من الانتهاكات التي وقعت وتحديد الضحايا والجناة.

ب/لجنة جبر الضرر:- لصياغة توصيات حول إعادة تأهيل الضحايا، وتمويلها من صندوق خاص من ميزانية الدولة.

ج/لجنة العفو:-لضمان تطبيق طلبات العفو وفقاً للقانون للأعمال الإجرامية ذات الطابع السياسي.

شملت هذه الإجراءات جلسات استماع للضحايا والفئات المهمشة، وجلسات استماع للأحزاب السياسية. أنشأت اللجنة وحدة للأبحاث لتحليل المعلومات التي تلقتها.

2.تجربة رواندا:-عانت رواندا من جرائم الإبادة الجماعية بين قبيلتي الهوتو والتوتسي، لكنها نجحت في تنفيذ نظام العدالة الانتقالية لتحقيق المصالحة بين الجلاد والضحية من خلال الاعترافات الفردية والمغفرة ضمن محاكم مجتمعية. بفضل العدالة الانتقالية، شهد الاقتصاد الرواندي نمواً سريعاً وأصبح من أسرع الاقتصادات نمواً في أفريقيا.

نرى أن على الجهات المختصة في السودان أن تطبق نظام العدالة الانتقالية كوسيلة لتحقيق العدالة في ظل الانتهاكات التي ترتبت عن الأنظمة الشمولية ، وهي انتهاكات جسيمة تشمل حقوق الإنسان، الفساد، والجرائم التي أضرت بالاقتصاد الوطني. نأمل أن تشكل هذه الخطوة بداية صحيحة نحو تطوير الدولة السودانية، ونتوقع نجاحات كبيرة في هذا المجال نظراً لتسامح المجتمع السوداني ووجود الكوادر المؤهلة لإدارة هذه العملية من القانونيين ومنظمات المجتمع المدني والإدارات الأهلية.

~ملحوظة~ .!

العدالة الانتقالية لا تتضارب بالضرورة مع النظام القضائي القائم، بل تُعتبر عادةً مكملةً له، خاصةً في الحالات التي تتعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو الجرائم المرتبطة بالنظم الاستبدادية. تهدف العدالة الانتقالية إلى معالجة آثار الماضي وتهيئة الظروف لتحقيق سلام مستدام ومصالحة وطنية، وهي تتطلب إجراءات قانونية وإصلاحات مؤسسية قد لا يتمكن النظام القضائي التقليدي من توفيرها بمفرده.

~العدالة الانتقالية~ تتضمن آليات متنوعة مثل المحاكمات، ولجان الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاحات المؤسسية. هذه الآليات لا تهدف إلى تجاوز القانون القائم، بل تسعى إلى سد الثغرات التي قد يعجز النظام القضائي التقليدي عن التعامل معها، خاصة عندما يكون مثقلًا بقضايا جنائية أو غير مجهز للتعامل مع الجرائم الجماعية أو المتكررة.

لذا، يمكن القول إن العدالة الانتقالية تتكامل مع النظام القضائي وتساعد في تكييفه لمعالجة سياقات خاصة مثل مرحلة ما بعد الصراع أو سقوط الأنظمة الشمولية.!

د. عبدالرحيم حاج الأمين

القاهرة 10 نوفمبر 2024

زر الذهاب إلى الأعلى