إسيديات الثلاثاء ،، عثمان الشيخ الأسيد .. يكتب .. العِزُّ بنُ عبدِالسلام سلطانُ العلماءِ وبائعُ الامراء

قبل ثمانمائة عام – وفي يوم عيد من أعياد مصر – خرج موكبُ السلطان ( أيوب) في شوارع القاهرة، و رجالُ الشرطة مصطفّون على جوانب الطريق، والسيوفُ مُسلطةٌ، والأمراءُ يقبّلون الأرضَ بين يدي السلطان هيبةً وأبهة. بينما الناسُ غارقون في هذا المشهد المهيب والصمت المريب، يصرخ رجلٌ بأعلى صوته مناديا السلطان: يا أيووووب (هكذا باسمـه مجردًا بلا ألقاب)!! إلتفت الناسُ الي حيث مصدر الصوت، من هذا المجنون الذي ينادي السلطان بجلالةِ قدره وجبروته وهيبته بهذه الطريقة؟ والتفت السلطانُ ليرى من الذي يخاطبه باسمه الصريح، فإذا به *(العزُّ بنُ عبدالسلام)* والذي فاجأ السلطان بسؤال: ما حُجَّتُك يا سلطان عند الله- عزَّ وجلَّ – غدًا إن سألك: ألم أُبَوِّئْكَ ملكَ مصر، فأبحت الخمور؟ هنا أبتعد الناسُ حتى لا تتسخ ملابسُهم بدمِ المقتول لا محالة، ولكن ذلك لم يحدث. إنما سأله السطان بصوت خافت فيه شي من الارتباك: هل يحدث هذا في مصر؟ قال العزُ: نعم، في مكانِ كذا وكذا حانةٌ يُباعُ فيها الخمرُ وتُؤتى فيها المنكرات، وأنت تتقلّبُ في نعمة هذه المملكة؟ فقال: يا سيدي أنا ما فعلتُ هذا، إنما هو من عهد أبي. فَهَزَّ العزُّ بن عبد السلام رأسَه وقال: إذن أنت من الذين يقولون: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) فقال: لا أعوذ بالله.. وأصدر أمرًا بإبطالها فورًا ومنع بيعَ الخمور في مصر. إندهش الناسُ، هل هذا هو السلطان أيوب، صاحبُ العظمة والأبهة الذي يُدخلُ الخوفَ والذعر في نفوس الناس- كل الناس- الخاصة منهم والعامة، كيف أصبح امام العز كالقط؟ فانتشر خبرُ هذا الموقف في مصر، و عمّ القرى والحضر، واصبح الناسُ مطمئنين، سيَّما أن العزَّ هو قاضي القضاء، ومفتي الديار المصرية. وبهذا الموقف أصبح العزُ بن عبد السلام محبوباً لكل الناس. ولكن السؤال: من أين استمد العز هذه الجرأةَ وهذه الشجاعة وهذه الثقة؟ سأله أحدُ تلاميذه: يا سيدي أما خِفْتَه؟ قال: “لا والله يا بنيَّ، إستحضرت عظمةَ الله- عزَّ وجلَّ- وهيبتَه، فرأيتُ السلطانَ أمامي كالقط.
لا شك ان هناك سر وضعه الله في العز بن عبدالسلام، ألبسه هذه الهيبة، ما هو هذا السر، هذا ما سنعرفه، بعد ان نستعرض هذه الواقعة التي فعلها العز، والتي هي أكبر واغرب من فعلته السابقة مع السلطان ايوب.. الواقعة التي حكم مجموعةٌ من العلماء والمؤرخين على أنها واقعةٌ لم يحدث مثلُها في التاريخ، وهي فتواه( ببيع الأمراء وقادة الجيوش في مزادٍ علني)!! نعم ما أقوله صحيح، فما هي القصة؟
العزُّ كان قاضيًا في الشام، وطلبه السلطان لتولي القضاء في مصر،
و لما عاش في مصر، إكتشف أن الولايات العامة والإمارة وقادة الجيوش والمناصب الكبرى، كلها للمماليك الذين اشتراهم السلطان نجم الدين أيوب قبل ذلك من مال بيت المسلمين، فهم- بذلك- عبيدٌ رقيق، و الرقيقُ والعبيد ولا يجوز لهم تولي هذه المناصب في الدولة والولاية على الأحرار، فأصدر العزُّ- مباشرة- فتواه (بعدم جواز وِلايتهم) لأنهم من العبيد. وكان كلما جاءته في مجلس القضاء معاملةٌ فيها بيعٌ أو شراء أو نكاح أو شيء من مملوك، قام بابطالهإ وعدم تنفيذها، ويحتج في ذلك، بأن من أجرى المعاملة هذا، عبدٌ مملوك، حتى لو كان أميرًا وكبيرًا عندهم أو قائدًا في الجيش، فلابد أن يُبَاعَ ويحرَّرَ، ثم بعد ذلك يَحِقُ له إجراء البيع والشراء أوغير ذلك من المعاملات، أما الآن فهو عبدٌ، مهما كان منصبه، اميرًا كان أو قائدًا في الجيش، فهو مملوك مملوك مملوك. إشتعلت مصرُ بغضبِ الأمراء الذين يتحكمون في كل المناصب الرفيعة. نائبُ السلطان مباشرة، كان من المماليك. جاءوا إلى الشيخ العز بن عبد السلام وحاولوا إقناعه بالتخلي عن هذه الفتوى، ثم حاولوا تهديده، ولكنه رفض كل محاولات الترهيب والترغيب، وأصرَّ على كلمة الحق. فرُفع الأمرُ إلى الصالح أيوب، فاستغرب من كلام الشيخ ورفض هذه الفتوى فهؤلاء بطانته وحاشيته. ولكن كل ذلك لم يثنى العزَ عن فتواه، وأيضا لم يتنازل الحاكمُ عن رفضه لهذه الفتوى. وعندما وجد الشيخ العز بن عبد السلام أن كلامه لا يُسمع، خلع نفسه من منصبه في القضاء فهو لا يرضى أن يكون صورة مفتي وهو يعلم أن الله عز وجل سائله. وركب الشيخ العز بن عبد السلام حماره ليرحل من مصر وخرجت خلفه الأمة كلها. وقد ذكر المؤرِّخون أنه خرج وراء العز العلماءُ والصالحون والعُبَّادُ والرجال والنساء والأطفال، وخرج كلُ أصحاب الحرف والمهن الشريفة والوضيعة. خرج الجميع وراء العز بن عبد السلام في موكب مهيب رهيب، إنها مليونية وعصيان مدني، دون حشد مصطنع ودون سابق انذار؟ ( شتان بين قاضي يركب الحمار، وقاضي يركبه الحمار).. علم الملكُ بهذه المليونية والعصيان المدني، فأسرع بنفسه خلف الشيخ العز بن عبد السلام واسترضاه، فقال له العزُّ: إن أردت أن يتولى هؤلاء الأمراء مناصبهم فلا بد أن يباعوا أولاً ثم يعتقهم الذي يشتريهم ويدخل ثمن شرائهم بيت مال المسلمين، لأنك- أيها السلطان – اشتريتهم من بيت مال المسلمين. ووافق الملك الصالح أيوب. وفعلاً فَعَلَها العز بن عبد السلام – رحمه الله – قام وجمع هؤلاء المماليك الأمراء وقادةَ الجيوش، وكبار رجالات الدولة، وأعلن عن بداية المزاد، وبدأ يبيعهم، وكان لا يبيع الواحد منهم إلا بعدما يوصله إلى أعلى الأسعار فكان ينادي على الواحد بالمزاد العلني.. حقاً إنها واقعة لم يحدث مثلها في التاريخ.. الآن يحق لكم أن تعرفوا من هو العِزُّ بنُ عبدِ السلام، أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن السُّلَمي الشافعي (577هـ/1181م – 660هـ/1262م) الملقب بسلطانِ العلماءِ وبائع الملوك وشيخ الإسلام.. هو عالم وقاضٍ مسلم، برعَ في الفقه والأصول والتفسير واللغة، وبلغ رتبة الاجتهاد.
أما تحليلي من اين استمد العِزُ هيبتَه، أقول إن رجلًا، بهذه المواصفات، لا شكَّ أنه كان يُكثرُ من النوافل، التي اوصلته الي مرتبة الحديث القدسي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في جملة من الحديث القدسي، ان الله تعالى يقول: (ما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لأعيذهن)..
لا أشك أن العز بن عبد السلام، كان يتقربُ إلي اللهِ بالنوافل حتى صارَ إلى ما صارَ اليه.
اللهُمَّ البسنا هيبةً من عندِك.. وأعنا على ذكرِكَ وشكرِكَ وحسنِ عبادتِك..
واللهُ أعلى وأعلم..
12 نوفمبر 2024م


