أعمدة الرأي

ثقافة قانونية (164)  د. عبد الرحيم حاج الامين يكتب الاعتراف الجنائي بين القبول والاعتراف المعدول ما بين الشريعة والقانون

 

رفدني الأخ والصديق سعادة السفير محمد النقلي بمحاضرة قيّمة ألقاها الأستاذ المحامي المصري الدكتور محمد أبو شقة حول الاعتراف الجنائي، موضوع أثار اهتمامي ودفعتني إلى التوسع فيه من خلال المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية.

أولاً:- ~الاعتراف الجنائي~ ~وأهميته كوسيلة إثبات~ :-

يُعدّ الاعتراف الجنائي الذي يُدلي به المتهم طواعية إحدى وسائل الإثبات المهمة في الأنظمة القضائية، حتى أن بعض الأنظمة تصفه بـ”سيّد الأدلة”. ومع ذلك، فإن التعامل مع الاعتراف كدليل وحيد للإدانة يستوجب الحذر الشديد.

ثانياً:- ~الاعتراف الجنائي في~الفريق دكتور الطيب عبدالجليل المحامي.. يكتب .. جرد حساب لأحكام قضائية (٢-٢)~

تُعتبر حادثة ماعز بن مالك نموذجاً بارزاً يُستند إليه في الشريعة الإسلامية عند تناول موضوع الاعتراف. جاء في الحديث الشريف: “أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا أتاهُ ماعزُ بما قال: لعلَّكَ قبَّلتَ أو غمزتَ أو نظرتَ؟ قال: لا. قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أَنِكْتَهَا لا يُكَنِّي. قال:- نعم. قال: فعندَ ذلكَ أمرَ برَجْمِه”.

ماعز جاء معترفًا بحد الزنا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم تأكد من اعترافه بعدة أسئلة لاحتمال أن تكون الجريمة أقلّ من الزنا مثل التقبيل أو النظر أو الغمز . هذا الحرص يُظهر حذرًا في قبول الاعترافات، خاصة في الجرائم التي تستوجب عقوبات صارمة.

ومما يُروى أن ماعزاً حاول الهرب أثناء تنفيذ العقوبة، فلحق به وتم قتله، فاستفسر النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمر، قال عليه السلام اما احسن تركه، مما قد يُفسّر كإشارة إلى إمكانية الرجوع عن الاعتراف. هذه الرواية تعطي القضاة دروساً مهمة في الحذر من الاعتماد على الاعتراف كدليل وحيد للإدانة، خاصة في القضايا التي تمسّ روح الإنسان.

ثالثاً:- ~الاعتراف الجنائي في~القانون السوداني~ :-

قانون الإثبات السوداني لعام 1994 عرّف الإقرار القضائي في المادة (16) بأنه:-

1.الإقرار بواقعة أثناء نظر الدعوى أمام المحكمة أو أثناء إجراء متعلق بها أمام قاضٍ أو جهة شبه قضائية.

2.لا يُعتبر الإقرار أمام جهة شبه قضائية إقراراً قضائياً في المسائل الجنائية.

~حالات عدم صحة الإقرار~ كما وردت في المادة (20):

1.إذا كذبه ظاهر الحال.

2.إذا كان نتيجة إغراء أو إكراه.

3.لا يُعدّ الإغراء مؤثراً في صحة الإقرار في المعاملات، ما يُثير جدلاً حول معنى “المعاملات”؛ فهل هي مدنية بحتة أم تشمل بعض الجرائم ذات الطبيعة المدنية مثل خيانة الأمانة؟

~العدول عن الإقرار~ :-

1.في المعاملات:- لا يُقبل العدول إلا في حال إثبات خطأ في الوقائع.

2.في جرائم الحدود:- يُعتبر الرجوع عن الإقرار شبهة تُسقط صفة القطعية عن الاعتراف.

رابعاً:- ~الاعتراف الجنائي في ~القانون المصري~ :-

عرّف القانون المصري الإقرار بأنه: “اعتراف الخصم أمام القضاء بواقعة قانونية مدعى بها عليه أثناء السير في الدعوى”.

ويُعدّ الإقرار حجة قاطعة على المقرّ، لكن يُسمح بالطعن فيه إذا ثبت وقوعه نتيجة خطأ أو تدليس أو إكراه. إذا أُثبت ذلك، فإن المحكمة تُبطل الإقرار، ليس لأنه يجوز العدول عنه، بل لأنه غير صحيح من الأساس.

~خلاصة~ !

يتّفق الشريعة والقانون على أهمية الاعتراف كوسيلة إثبات، لكنهما يختلفان في التعامل مع الاعتراف المعدول.

الشريعة الإسلامية:- تنظر إلى الرجوع عن الإقرار في جرائم الحدود كشبهة تُدرأ بها العقوبة.

القوانين الوضعية:- تركز على صحة الإقرار وصحة الظروف المحيطة به، مع إمكانية الطعن فيه إذا شابته عيوب.

هذا الموضوع يحمل دروسًا مهمة في ضرورة التحقق والتثبت من الاعترافات الجنائية، وعدم الاعتماد عليها كدليل وحيد للإدانة، خاصة في الجرائم التي تمسّ حياة الإنسان أو حريته.

د. عبدالرحيم حاج الأمين

القاهرة 8/ ديسمبر/2024

زر الذهاب إلى الأعلى