إسيديات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسيد يكتب من الذي اغتال سيبويه، وكيف قتله؟

تخرجتُ من المعهد الفني بحي الورود، وضاعت مني شهادةُ الدبلومة، فاستخرجت بدل فاقد.
هذه الجملة القصيرة فيها أخطاءٌ كثيرة والصحيح ، تخرجت (في) المعهد و ليس من المعهد لأن( من) المعهد يعنى طردت منه ،كما أن الصحيح حي الورد لأن الوردة جمعها ( ورد) وليس ورود، ،أما الورود تعنى الورود الي الماء، فاستخرجت شهادةً بدل مفقود، وليس بدل فاقد، لأن الفاقد هو أنا والشهادة هي المفقود. هذا الصوابُ مهجورٌ لا نتكلم به، ولكننا نتكلم بما هو شائع حتى لو كان خطأ. و قد قيل: خطأٌ شائعٌ خيرٌ من صوابٍ مجهول. وأيضا قيل: الويلُ للصوابِ المهجور من الخطأ المشهور. لو خُيِّرْنا أن نتكلمَ بالنحوِ او نصمت، لاخترنا الصمت. على كل حال، علمُ النحو هو فرضُ كفاية وتعلمه ضروري لمن أراد علم الشريعة، أما نحن – عامة الناس- نأخذُ منه ما هو جاهز وموثوق، ونستنبط منه بديع الكلام وروائعَ القَصَصِ والمواقف، وعلي سبيل المثال: قصة الخليفة العباسي المامون بن هارون الرشيد المتوفى عام 194 هجري والجارية الحسناء. عندما ركب الخليفة العباسي المامون، فاشرف على نهر الفرات، فاذا هو بجارية عربية بيدها قربة إنحلَّ رباطُها ( رباط القربة) فصاحت لابيها برفيع صوتها: (يا أبتِ إدْرِك فاها، قد غلبني فوها، لا طاقة لي بـفيها) فعجب المأمون من فصاحتها فرمت الجارية القربةَ من يدها، فقال لها المأمون: يا جاريةُ، من أي العرب أنت؟ قالت: من بني كلاب. قال : وما الذي حملكِ على ان تكوني من الكلاب؟ فـقالت: والله لستُ من الكلاب وإنما أنا من قوم كرام غير لئام يقرون الضيف ويضربون بالسيف.. وجرى بين الخليفة والجارية حوار طويل لا طائل في ذكره إنما سقت منه عين المراد، فثمرة هذا الحوار أن الخليفةَ أُعجبَ بفصاحة الجارية، فقال والله لأتزوجنَّ بـهذه الجارية، لأنها من أكبر الغنائم، فخطبها من أبيها ثم تزوجها واخذها وعاد مسرورا، وأصبحت والدة ولده العباس. القصة وردت في كتب الأدب بصيغ متنوعة في أكثر من واقعة..
*الاغتيال المعنوي لسيبويه:*
إن كان النحو سببا في(نعيم )هذه الجارية، فقد كان سببا في (بؤس) إمام النحو في مدرسة البصرة عمرو بن عثمان بن قنبر الملقب بـ (سيبويه) وهي كلمة فارسية تعنى رائحة التفاح، سيبويه فارسيُ الأصل، قدم الى البصرة وهو غلام صغير، وكانت البصرةُ آنذاك مركزًا للعلم، فرافق سيبويه أهلَ اللغة والنحو، حتى اصبح حجةَ العرب. كان المنافس لسيبويه هو إمام النحو في الكوفة على بن حمزة بن عبدالله بن بهمن بن فيروز الملقب بـ ( الكسائي) وأصله- أيضا- من بلاد فارس، لُقِّبَ بالكسائي لأنه أحرم مع الخليفة هارون الرشيد في كساء. لا تتعجب إن قرأت انا أفكارك التي تقول: (هل يعقل أن أئمة اللغة والنحو والقراءة عند العرب هم أصلا غير عرب!؟) نعم، يعقل. وأزيدُك من الشعر بيتًا، فالامام الطبري والامام البخاري والامام مسلم، والامام النسائي والامام الترمزي والامام أبو داؤود والزمخشري والغزالي و الفارابي والرازي، وابن سينا، كل هؤلاء غير عرب. وإن شئت زدتُك
المسألة الزنبورية، وما أدراك ما المسألةُ الزنبورية، هي هذه العبارة التي تقول
«كنتُ أظن أن العقربَ أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أم فإذا هو إياها؟) هذه هي المسألة الزنبورية التي أقيمت فيها المناظرة المشهورة بين إمام النحو في البصرة سيبويه، وإمام النحو في الكوفة الكسائي. وتكمن عقدةُ المناظرة في ( هو هي، أم هو إياها) لحسم هذا الجدل بين( هو هي أم هو أياها) تم تحديد زمان ومكان تقام فيه مناظرةٌ بين سيبويه والكسائي، وقُدِّمتِ الدعواتُ الي أعيان البصرة والكوفة وبغداد، من علماء ونحويين، والمقربين للوزير وانصار الطرفين سبيويه والكسائي. وكان من ضمن المدعويين عرب اقحاف، لكنهم كانوا خلف الكواليس، من هم ولماذا تمت دعوتهم؟ هذا ما سوف نعرفه في وقته. أما المكان، فهو مجلس جعفر البرمكي وزير الخليفة، إجتمع الحضورُ في الموعد المحدد وحضر المتناظران.
بدأت المناظرة بسؤال الكسائي لسيبويه بكيف تقول: (كنتُ أظن أن العقربَ أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أم فإذا هو إياها؟) أجاب سيبويه قائلا: فإذا هو هيَ، ولا يجوز النصب، أي لا يجوز أن نقول فاذا هي إياها، فرد الكسائي: لقد أخطأت، بل النصب صحيح كذلك فنقول: فإذا هو إياها، قام سيبويه بتقديم الحجج، وقيل انه ابدع حيث كانت حججُه قويةً ومقنعة، إلا أن الكسائي لم يعترف بحجج خصمه سيبوبه، فاقترح أن يستعين (بالفار) والفار هنا هم مجموعة من الاعراب الأقحاح الذين ينطقون باللغة السليمة فطرةً، والذين انتم تعرفون انهم خلف الكواليس، فوافق سيبويه على ذلك. وهنا تظهر المؤامرة، تم استدعاء الأعراب، وحينما وقفوا أمام الوزير وسألهم عن صحة القول، رجحوا كفةَ الكسائي، إلا أن سيبويه طلب منهم أن يؤكدوا ذلك بنطقهم لجملة الكسائي، التي تقول فإذا هو إياها، فلم يستطيعوا لان ألستنهم لم تطاوعهم على نطق الخطأ، مما أثبت صحة نطق سيبويه. ولكن هذا لم يشفع لسيبويه، فاعلن وزير الخليفة فوزَ مدرسةِ الكوفة بقيادة الامام الكسائي على مدرسة البصرة بقيادة سيبويه.. وقد ذكر كثيرٌ من النحاة أن الحق كان مع سِيبَوَيْه، وأن الحكم للكسائيّ كان انحيازًا لقربه من الوزير البرمكي؛( إذًا وزير الخليفة أيضا غير عربي) عرفتم لماذا تمت دعوة الأعراب ؟ ليشهدوا زورًا لصالح الكسائي..
خرج سيبويه يجرجر اذيالَه من صدمة الهزيمة، خرج وفي قلبه غصة من تلك المناظرة، خرج تاركا بغداد والبصرة والكوفة، كيف له البقاء فيها وهو العالم المهزوم بشهادة وزير الخليفة وسط أعيان البلد وطلبته وفطاحلة اللغة وجمهوره ومحبيه؟ خرج الي حيث اتى الى بلاد فارس الي مدينة شيراز، خرج وفي صدره غمٌ كبير وشعور عظيم بالظلم والقهر، ولم تمضِ سوى مدة قصيرة، حتى مات بقهر الانحياز ودفن في شيراز. ولكن لم يمت علمُ سيبويه، ولم تمت ذكراه بين علماء اللغة، ظل كتابه( النحو والصرف) مرجعًا للعلماءِ وطلاب العلم حتى اليوم. كم سيبويه مات في عصرنا هذا بنفس العلة؟ علة الغش والرشوة والفساد وقهر الانحياز..
إنَّ أسوأ أنواع الفساد، عندما يكون في الأخلاق والعلم.. وأسوأ انوع الحسد عندما يكون بين العلماء.. حسبنا الله ونعم والوكيل..
والله أعلى وأعلم..
10 ديسمبر 2024م


