مقالات الرأي

الفريق الدكتور هاشم علي عبدالرحيم يكتب : شرطة السودان عام جديد وعمر مديد

 

الطبيعي والمألوف في شؤون إدارة القوات النظامية هو الإحالات والترقيات التي تسبق التنقلات التي يتم اجراؤها لاحقًا لملء الشواغر في هيئتي الإدارة والقيادة وما دونهما، وهذا ما لم يحدث مؤخرًا، لأسباب لا علاقة لها بالكوادر المؤهلة والخبيرة كما يُقال جزافًا وتجنيا. وعلي رأس هذه الاسباب، ان رجال الشرطة ونساءها، العاملين الآن ليس بينهم من يستحق الإحالة او الإبعاد، عطفًا علي جهادهم وتضحياتهم وجهودهم الكبيرة التي بذلوها- ومازالوا- حربًا وسلمًا.

مع قبح التشبيه وعدم مواءمته لما سيرد في هذه المقالة، من حيث الشخوص الكرماء الذين هم ليسوا (حميرا) ولاينبغي لهم، فإنه عندنا في الشمال في كل السودان ليس هناك ماهو اصعب من إدخال الحمار في المركب، الا إخراجه منها. وهذا مايحدث عندنا في كل عام مع اجراء التنقلات الروتينية التي- غالبًا- تشمل من كان ابتداءً ممتعضًا من نقله إلي المكان الذي هو الآن ممتعضًا اكثر من نقله منه.

وأذكر أنني، في الأعوام الأخيرة من القرن الماضي، تم نقلي لولاية جنوب كردفان، وتماطلت في تنفيذ النقل وبقيت في العاصمة لستة اشهر بفضل علاقاتي السياسية التي اكتسبتها من عملي كمدير لمكتب والي كرفان الكبري بالخرطوم، حتي جاء اليوم الذي لم أُرقى فيه مع دفعتي، وذهبت لمكتب العميد محمد الحسن ادريس في جملون الشؤون الإدارية لمعرفة السبب، حيث بادرني بالقول (شوف ياهاشم قعاد وترقية ما بتلمن، المرة دي قعاد وعدم ترقية المرة الجاية قعاد مرة واحدة).. ولأن (القعاد مرة واحدة) يعني الاحالة لا محالة، فقد توجهت باكرًا الي كادوقلي، التي وصلتها بعد يومين من السفر ، وهناك وجدت نفسي منقولًا داخليًا لمحلية الرشاد بالجبال الشرقية، وحاولت جاهدًا البقاءَ في كادوقلى، او تغيير النقل لمحلية الدلنج، إلا انَّ محاولاتي باءت بالفشل، فتوجهت للرشاد، التي ما أن وصلتُها، حتي تبين لي أنني في واحدةٍ من جنان الله التي علي الارض بمياهها الجارية وجوِّها الربيعي الدائم، وطبيعتها الخلابة، وانسانها الجميل الرائع. وقضيت فيها نحوًا من ثمانية اشهر هي الأجمل والأوفر رفاهًا في حياتي العملية كلها، حتي جاء اليوم الذي تفاجأت فيه بنقلي الي كادوقلي، ولأنني كنتُ- حينها- قد جمعتُ كمياتٍ كبيرةً من المهوقني والقِمْبيل، بعضه اشتريته وبعضه وقفتُ علي قطعه ونشره بنفسي بتصديق من الغابات، وكنت بصدد ترحيله لأم درمان لتصنيع أساس بيتي وبيع ما يتبقى، كما أنني كنتُ على بعد شهرٍ من حصاد المانجو في (تجملا) والمصارعة الأهلية التي فرضت نفسي كمشرف ومدير عام لفعالياتها، وتابعتُها اسبوعًا بعد اسبوع وشهرًا بعد شهر، بدايةً من التمهيدي والمجموعات، ولا يُعقل ولا يستقيم أن أغيبَ عن تصفياتها النهائية التى ستُقام في خور الدليب. لكل هذه الأسباب الملحة، اتصلت بمدير شرطة الولاية العميد حينها عبدالمحسن لإرجاء أو تأجيل النقل، ورد علي بلهجة صارمة ( انتا قبيل وكت وديناك ما فنجطتا وقلتا خلوني هنا). واردف (الخميس تكون معاي هنا في كادوقلي)!!!.

  • المدير العام لقوات الشرطة الفريق أول خالد حسان- الذي أمضى هذه التنقلات الأخيرة- رجلُ إدارةٍ من الطراز الأول، وقد عملنا معا ، واعرف جيدا تفرده وقوته وشجاعته، فالرجل- مع امكانية ازدراءه مع عدم المعرفة- إلا ان اثوابه تغطي اسدًا هصورًا قويا في اتخاذ القرارات ومتابعتها، وكنتُ- شخصيا- شاهدًا وحاضرًا للمهام الجانبية التي كانت تُوكل إليه في مواقعَ، وهو يدير مواقعَ أخرى لاعلاقة لها بهذه المواقع التي حدثت فيها مشكلات وتم انتدابه للوقوف عليها وحلها، ومنها واقعة طلبة كلية علوم الشرطة والقانون الشهيرة، غير المسبوقة في تأريخ الشرطة .

و كما قال الناطقُ الرسمي باسم الشرطة، الذي أوجز و أنجز في بيانه الذي يشبه كل بياناته التي لم تتجاوز اي شاردة او واردة في شأن الشرطة طوال فترة توليه المنصب بمهنية، ومؤسسية وعقلانية وثبات، الأمر الذي ساهم في بقائه كل هذا الوقت بلا حتى هنة واحدة. ومعلوم أن الناطقَ باسم الجيش أو الشرطة ليس ككل الناطقين، فهم قطعا لا ينطقون ولا يصرحون الا بلسان القيادة، والناطق الحالي العميد فتح الرحمن، مع تمكنه واتزانه، إلا انه يعود قبل التصريح وقبيل اخراجه للملأ للقيادة التي تبدأ وتنتهي برئيس هيئة التوجيه ومدير الادارة العامة للاعلام، اللواء ابراهيم، الذي كان حاضرًا لإجازة البيان الاخير الخاص بتغيير مواقع بعض من القادة.

ومعلوم ان النقل والإحالة والانتداب والاعارة والإلحاق والتقاعد- جميعها- مسائلٌ اداريةٌ يحكمها القانون. والنقل- دائما- يكون بسبب ملء الفراغات الإدارية و تجديد الدماء والتجويد والاتقان والتطوير ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ولا علاقة له البتة بعدم وجود الكوادر المؤهلة اونقصها اوندرتها، وهذا؟ لعمري- افتراءٌ ما بعده افتراء. وكما قال الكثيرون من ضباط الشرطة والصحافيون، فإن الشرطةَ مؤسسةٌ تقوم علي تراتبيةٍ محكمةٍ تُمَكِّنُ أدناها من القيام باية مهام توكل لأعلاها دون ان ان تهتز شعرةٌ لأشغالها العملية كلها. وقيادةُ الشرطة الحالية قيادةٌ قويةٌ ومتفردة و تأريخية، شاءَ من شاءَ، وأبى من أبى. والحديث الذي يقال مرات ومرات عن ان الشرطةَ فقدت علماءَها وخبراءَها، حديثٌ غير منطقي ويبخس هؤلاء الابطال الاوفياء حقهم، نعم عملت المليشيا وحلفاؤها ومرتزقتها و أسيادُها- منذ اليوم الاول لثورة الخراب القحتاوي المليشي المرتزق- علي تفكيك الجيش والشرطة وتمكنت من إبعاد كل قيادات الشرطة وبما يعادل خمسة دفعات كاملة في عملية مفضوحة وسيئة الاخراج، وكانت ارادتُها متجهةً نحو تفتيت الشرطة واضعافها، وصولًا لهدفٍ معلوم، هو إشاعة الفوضى واقتلاع الطمأنينة من النفوس. إلا انَّ الشرطةَ كانت في اتم جاهزيتها وبفضل هؤلاء الرجال، خاب فألُهم وطاش سهمهم وينعم الآن المواطنُ السوداني- في كل الاصقاع الخالية من التمرد واوباشه- بالأمن والأمان وكافة الخدمات الشرطية، نتاجًا لملاحم بطولية خاضتها الشرطة سلمًا وحربًا، لن يقدرَ مدونو التأريخ علي تجاهلها.

وكل عام والوطن وشرطته في نعمة وخير .

ونلتقي ،،،

فريق دكتور

هاشم علي عبدالرحيم

زر الذهاب إلى الأعلى