أُسيْديات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسيد الممتحنة من هي الممتحنة، وما قصتها؟

هذه الممتحنة صاحبةُ السبعة عشر عامًا، الذكية القوية المتحدية صاحبة العقل والرأي، وُلِدت في مكةَ المكرمة، نشأت في مجتمع قريش المتشدد المتجاوز في عدائه لمحمد صلى الله عليه وسلم. والدُها عقبةُ بن معيط، من اشد الناس عداوةً للرسول، وهو الذي لفّ رداءَه وخنق به النبي- صلى الله عليه وسلم_ وهو يصلى، فنقص الأوكسجين عنه وأغمى عليه، وهو الذي رمى بقاذورات بطن الشاه على ظهر النبي وهو يصلي، لذلك عرف بأنه ( أشقى القوم).. من صلب هذا الشقي خرجت من تؤمن بالله وبرسوله المرسل رحمة للعالمين، لكنها كانت تكتم إيمانها عن ابوها واخوتها ( عمارة والوليد) وغيرهم فقد كانت السيوفُ مشهورةً والاكفانُ منشورةً والقبورُ محفورةً لكل من يفكر في الدخول في الدين الجديد، لذلك فكرت ان تتركَ مكةَ وعشيرتَها و أباها واخوتها، وتلحق بالرسول في المدينة المنورة. تنفيذ هذه الفكرة ليس بالأمر الهين لأن التحديات كبيرة وكثيرة، فهي لا تعرف شيئًا عن الطريق المؤدية الى المدينة، كما أنها تحتاج الى مرافقٍ آمن، من أين لها؟ فقررت أن تسافرَ لوحدِها، متجاهلةً ظلامَ الصحراء ومخاطرَها وما تتعرض له من قُطَاعِ طرق وسباعٍ مفترسة وهوام وتوهان. تجاوزت كلَ هذه التحديات ورسمت صورةً ذهنيةً ثابتةً في عقلها، تخيلت أنها الآن هي في المدينة المنورة تقف أمام رسول الله ( نعم، من يضع صورة ذهنية ثابتةً في عقله للهدف الذي يريد تحقيقه، بشرط الإستعانة بالله، وأن لا يحيد عن هذه الصورة الذهنية مهما كانت التحديات مع السعي الحثيث وعدم الاستسلام، في هذه الحالة سوف تتدخل العناية الإلهية ويسخر له اللهُ الكونَ وقوانينه بصورة مدهشة) ليس المقصود بالخيالِ هنا ما هو ضِدُّ الحقيقةِ ولا الظن والتوهم، وإنما القوة القادرة على التفكر والتدبر التي اختص الله بها الإنسان. فهذا التصويرُ الحسيّ به تكتملُ الصورةُ في أذهاننا، نتخيلُ لتخلدَ لدينا مشاعر تنقلنا من ساحةٍ إلى أخرى، القرآن مليء بالآيات التي تستدعي الخيال لدى الإنسان، وسأذكر هذا المثال من بين عشرات الأمثلة قال رسول الله (من سرّهُ أن ينظرَ إلى يومِ القيامةِ كأنهُ رأيُ عينٍ فليقرأ إذا الشمسُ كُوِّرت و إذا السَّماءُ انفطرتْ و إذا السَّماءُ انشقَّتْ) هذه دعوة صريحة من الرسول صلى الله عليه وسلم للتخيُّل، والأمثلة في القران كثيرة ولا مجال لحصرها في هذا المقام،
ولكن هناك تحدٍ من نوع آخر، وهو ( صلح الحديبية) الذي من شروطه ( أن من آمن وأتى النبي صلى الله عليه وسلم دون إذن وليه، ردَّه).. فكرت الممتحنةُ مليًا، في هذا الشرط ثم رأت أن هذا التحدي لا يمكن تجاوزه الا بمواجهته وجهًا لوجه هناك في المدينة المنورة. الآن بدأت العنايةُ الإلهية في التدخل، فتسارعت الأشياءُ لخدمتها، ها هي الاخبار السارة تأتي من غزوة بدرٍ الكبرى، فقد هلك والدُها عقبة بن معيط، ومعه جماعةٌ من صناديد كفار قريش، فدرست هذا الموقف وكيف تستفيد منه، ثم توصلت إلى أن الحصارَ على المسلمين في مكةَ لا بد أن يضعُف ويصبح هشاً نتيجة الإحباط الذي سيطر على كفار قريش جراءَ هزيمتهم في غزوة بدر. إستغلت الممتحنةُ هذا الموقف فقررت مغادرةَ مكة الآن وفي هذه الليلة وليس غدا، فلا مجال للتسويف، فتوكلت على اللَّه وتوجهت إلي الخروج من مكةَ وهي لا تعرف الطريقَ الي المدينة ولا الى اين تتجه، ولكنها كانت تدرك أن سر التفوق والنجاح في العمل هي أن تبدأ، وكانت واثقةً أن الاحداثَ الإيجابيةَ متاحةٌ وستتوالى، ثم ماذا فعلت وما الذي حدث ؟ من الأفضل ان تحكي لنا هي قصةَ سفرها الي المدينة. قالت: “كنت أخرج إلى باديةٍ لنا فيها أهلي، فأقيم فيها الثلاثة والأربعة أيام، ثم أرجع إليهم فلا يُنكرون ذهابي للبادية، فخرجت يومًا من مكة كأني أريد البادية، إذ رجل من خزاعة، قال: أين تريدين؟ قلت: ما مسألتك؟ ومن أنت؟ قال: رجل من خزاعة فلما ذكر خزاعة اطمأننت إليه لدخول خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني امرأةٌ من قريش، و أنى أُريدُ اللحاقَ برسولِ الله- صلى الله عليه وسلم- ولا علم لي بالطريق، قال: أنا صاحبُك حتى أوردك المدينة. ثم جاءني ببعير فركبته حتى قدمنا المدينةَ، وكان خيرَ صاحبٍ، فجزاه الله خيرًا… هكذا وباختصار شديد حكت لنا قصة سفرها الي المدينة، ورأينا كيف تسهلت الأمور ولكن للقصة بقية. هذه المرة أنا الذي من سيُكملُ لكم الروايةَ. أقولُ لكم: بعد أن تأخرت “أم كلثوم” عن موعد العودة الى بيتها في مكةَ وشعر أهلُها بغيابِها، خرجوا ليبحثوا عنها، فعرفوا أنها هاجرت إلى المدينة حيث أخبرتهم واحدةٌ من النساءِ أنها رأتَها تسلك الطريقَ المؤديةَ إلى المدينة. وبعد أن وصلت الى المدينة المنورة ذهبت للنبي صل الله عليه وسلم، فحكت له قصتها وعرف من هي إنها ابنة الشقي الهالك في غزوة بدر فاحتار في أمرها وكذلك الصحابة، فإنَّ صلح الحديبة واضحة شروطه، وهذه الفتاة يجب ان تُعادَ الى مكةَ، والصحابة يقولون كيف نُرْجعها إلى مكة يا رسولَ الله؟ وبعضهم من قال إنَّ هذا الشرط لا يشمل النساء، محاولين إيجاد ثغرة في هذا الصلح والنبي عليه الصلاة والسلام صامت ينتظرُ أمرًا من الوحي (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ثم ينزل أمرُ الله من فوق سبعِ سمواتٍ بأن أم كلثوم لا ترجع إلى مكة(الله أكبر) وتنزل آيات سورة الممتحنة إذًا القرار والحل يأتي من السماء، هذا هو النص الإلهي الحاسم، قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) عرفنا سبب نزول هذه
الاية، كما أن معرفةَ سبب النزول لها أثرٌزفي فهم المعنى ..والعلم بالسبب يُورثُ العلمَ بالمسبب ولا يعنى هذا ان يلتمس الإنسانُ لكل آيةٍ سببِا، فإنَّ القرانَ لم يكن نزوله وقفًا على الحوادث والوقائع، او على السؤال والاستفسار، بل كان القرآنُ يتنزل ابتداءً بعقائدِ الإيمان وواجبات الإسلام وشرائعِ الله تعالى في حياةِ الفرد وحياة الجماعة. نزل القران على قسمين: قسمٌ نزلَ ابتداءً، وقسمٌ نزلَ عقِب واقعةٍ او سؤال. أما أم كلثوم، يجزيها الله على صبرها، تتزوج- ليس من أشراف مكة فقط- بل من عبد الرحمن بن عوف، أحد العشرة المبشرين بالجنة وأغنى أغنياء المدينة المنورة وأشرفهم، كيف حدث كل هذا؟ فتاة عمرها سبعة عشر عاما، هاجرت وحدها ليلًا من مكةَ إلى المدينة، سخَّر لها اللهُ تعالى رجلًا من خزاعةَ، وصلت المدينة، وضعت الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته في موقف محيّر، نزل جبريلُ عليه السلام ليحكمَ في أمرها، تزوجها صاحبُ رسول الله عبدالرحمن بن عوف- رضي الله عنه- احد العشرة المبشرين بالجنة واثرى اثرياء المدينة المنورة ، كل ذلك كانت بدايته (قرار) ثم إصرار على تنفيذه، وضعت الصورةَ الذهنيةَ للخطة، لم تحيد عنها، سعت بقدر ما تستطيع، تدخلت العنايةُ الإلهيةُ لتحقيق هدفها، فجاءتها الفتوحاتُ من حيث لا تحتسب ولا تتوقع، هذا هو قول الله عز وجل:( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ سورة العنكبوت اية 69.. قال بعضُ المفسرين: معناها أنَّ الذين يعملون بما يعلمون، يهديهمُ اللَّهُ لما لا يعلمون، هذا ما حدث بالفعل للممتحنة. تلك كانت قصة (أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أشقى القوم) وهي المعروفة في القران الكريم بــ ( المُمْتَحنة) بكسرِ الحاءِ او فتحِها
والله أعلى وأعلم..
7 يناير 2025م


