عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان يكتب الرهانات الخاطئة والمبادرات المأمولة

لقد مرّ السودان في الأشهر الماضية بواحدة من أصعب مراحله، حيث شنت مليشيا الدعم السريع المتمردة الإرهابية حربًا على الوطن بأسلوب وحشي وانتشار سريع خدع بعض القوى السياسية والشخصيات العامة. هؤلاء راهنوا على انتصار حاسم للمليشيا، لكن رهاناتهم انهارت سريعًا أمام عراقة الدولة ومؤسساتها. المليشيا التي بدت قوية في البداية، سرعان ما كشفت عن هشاشتها، فهي مجرد كيان يعتمد على الإرهاب ونهب موارد الشعب، دون أي قدرة حقيقية على بناء دولة.
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]، هي تذكير بأن المواقف العصيبة والمحن ليست جديدة على الأمم، وإنما هي اختبار لثباتها وصمودها.
القوات المسلحة السودانية، بتاريخها الطويل ومهنيتها، استطاعت تفكيك أوهام المليشيا، موقعة بها خسائر كبيرة ميدانيًا وسياسيًا. وحتى قائدها محمد حمدان دقلو، الذي بدأ الحرب بخطابات عنترية، تراجع لاحقًا ليؤكد أنه لا يريد أن يكون بديلًا للجيش، في إشارة واضحة إلى فشل مشروعه. العقوبات الأمريكية الأخيرة على حميدتي وشركاته التجارية جاءت لتؤكد أن المجتمع الدولي يعترف بشرعية الدولة ومؤسساتها، ويعتبر المليشيا تهديدًا للسلم والاستقرار.
في ظل هذه التطورات، تبرز الحاجة إلى مبادرات دولية واقعية، تركّز على أمرين أساسيين: الأول هو وقف الدعم الخارجي الذي يصل إلى المليشيا، سواء كان عبر توريد الأسلحة أو التمويل، فهذا الدعم أشبه بـ”درب مغذي” يطيل أمد الحرب. والثاني هو وضع آليات واضحة لإدارة إستسلام ما تبقى من المليشيا، بما يشمل تجميع أفرادها في معسكرات محددة تحت رقابة صارمة، مع ضمان المحاسبة والعدالة.
الشعب السوداني كان، ولا يزال، الركيزة الأساسية في هذه المعركة. بصموده ودعمه للقوات المسلحة، أكد أنه لن يرضخ للفوضى أو الإرهاب، بل يسير بخطى ثابتة نحو بناء دولة القانون والاستقرار. وكما قال الله تعالى: “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين” (الأنفال: 30)، فإن كل الرهانات التي وُضعت على المليشيا باءت بالفشل، وأثبت السودان أنه قادر على تجاوز هذه المحنة بفضل إرادة شعبه ووحدة مؤسساته الوطنية.
السودان سيطوي صفحة المليشيا، ويتجه نحو مستقبل واعد يسوده الأمن والتنمية، مستمدًا قوته من التضحيات الجسام التي قدمها جيشه وشعبه لتحقيق النصر.
٧ يناير ٢٠٢٥م


