أُسَيْديات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسيد يكتب لكل شيءٍ سيِّدُ(1)

قيل لكل شيءٍ سيد، فسيدُ البشرِ آدم، وسيدُ ولد آدم محمد (صلى الله عليه وسلم) وسيدُ الروم صهيب، وسيدُ فارس سلمان، وسيدُ الحبش بلال، وسيدُ الطيور النسر، وسيدُ الشهور رمضان، وسيدُ الأيام الجمعة، وسيدُ الكلام العربي، وسيدُ العربي القرآن، وسيدُ القرآن سورةُ البقرة. وأيضا قيل، ساداتُ السودانِ أربعةٌ وهم: (لقمان الحكيم من سودان مصر، والنجاشي وبلال من سودان الحبشة، ومهجع مولى عمر بن الخطاب وهو من سودان اليمن) ومحورُ حديثنا هو السودان واثرهم في الحضارة الإسلامية، والقصد من ذلك فك الارتباط بين السودان والرِق والرقيق،إذ معظم المؤرخين والكُتَّاب، وكل العوام- منذ القدم وحتى يومنا هذا- عجزوا في فك الارتباط بين السودان والرق، وما أن ذُكِر اسمُ السودان، حتى خطر في بال الناس العبوديةُ والعبيد. الواقع انَّ معظم الرقيق كانوا من البيضان، ولم يكونوا كلهم سودان كما يعتقد معظم الناس. أحاولُ في هذا المقال ان استعرضَ قليلًا من الدور الإسلامي الإيجابي في هذا الصدد، متمثلًا في طبقات السودان من العلماء والقادة والشعراء والشخصيات العامة الذين لعبوا دورًا كبيرًا في فتراتٍ مختلفةٍ من التاريخ الإسلامي لرجال ونساء سود، اما من أراد التفضيل فليذهب الي رسائل الجاحظ (فضل السودان على البيضان) الذي ينحاز فيها بصورة واضحة إلي السود، حتى اتهمه البعضُ بانه لم ينصف البيضان لأنه- أي الجاحظ- من السودان. وحتى لا يختلط الامر على البعض، انبه إلى ان كلمة السودان، التي يشير اليها العلماء المؤرخون والكتاب، ليس المقصود بها شعب دولة السودان الحالية، حيث إنه لم يكن في ذلك الوقت هناك دولة للسودان، ودولة السودان الحالية هي دولة حديثةُ الاسم ولا وجود لها في التاريخ القديم ولكن اطلق عليها هذا الاسم لأنها قطعة من ارض السود وسكانها سودان، وأنا اسأل: هل تستطيع الحدود أن تحصر الوجود؟ لا يمكن لأن كلمةَ (سودان) في اللغة جمعُ لكلمة (سود).. سكانُ افريقيا- الزنج والحبشة والنوبة- هم أصحابُ البشرة السوداء. ومن قال غير ذلك فإنما يريد التبريرَ بان لا تكون له هوية (وآفة التغيير التبرير).. هذا ليس موضوعنا، ولكن الكلام يستدعي بعضه البعض والحديث ذو شجون أي ذو طُرُقٍ، والشجون أودية كثيرة الشجر والأغصان، و تخيلتُ أن هذه الشجون فيها الكثير من السودان سوف ادخل هذه الشجون لأتعرف عليهم وأسالهم واسمع منهم، ومعي في هذه الجولة صديقي (يوسف) وهو شخصية افتراضية، اخترته ليكون معي لأشدد به ازري ويشركني في أمري. قلنا بسم الله توكلنا على الله ولا حول ولا قوة الا بالله ودخلنا شجنًا كثيفًا غنيًا متنوعَ الأشجار والأغصان والاوراق، التقيتُ فيه برجالٍ خُضرٍ كأشجاره في اللون و في العطاء، ويطلق العربُ الأخضرَ على اللون الأسود، وهذا من فصيح لغة العرب،
قال الشَّماخ بن ضرار:
وراحت رواحاً من زرود فنازعت … زبالة جلباباً من الليل أخضرا ( يعنى من الليل أسودَ)
وقال الحارث بن حِلِّزة:
فهزمنا جمع ابن أمِّ قطام … وله فارسةٌ خضراء..
سألني يوسف: هل فهمت شيئًا من هذه الأبيات؟ قلت له: الى حد ما. قال لي: فلماذا استشهدتَ بها؟ قلت: أولاً نبهت على المقصود منها لأثبات أن العرب تطلق الأخضر على الأسود، والسبب الثاني لعل بعض القراء يفهمونها، وبينما نحن نتحاور أتانا صوتٌ من داخل هذا الشجن، يرددُ ابياتًا من الشعر:
وأنا الأخضر من يعرفني … أخضر الجلدة في بيت العرب
من يساجلني يساجلْ ماجداً … يملأ الدلو إلى عقد الكرب
قال يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم، من هذا؟ وهل هو- ياترى- سمعنا نتحاور حول هذا الموضوع؟ قلت له: لماذا لا نسأله هو؟
اقتربنا منه، ألقينا عليه تحية الإسلام، نظر إلينا نظرةً سريعةً، ثم واصل قصيدته وبعدها رد علينا: وعليكما السلام.
قلت له: أريدُ ان اتشرفَ بمعرفتك، قال لي: انت تفهم اللغة العربية؟ قلت له: بلى. قال لو كنتَ تعرف العربيةَ لعرفتني من أبياتي ولما سألتني من أنا، ولو كنت تعرفُ العربيةَ ما اجبتني ب (بلى) لأن كلمة بلى تُقال في حالة الإجابة على النفي لان بلى حرف جوابٍ، وتختصُّ بالنَّفي فتُبْطله،، أما في حالة سؤالي هذا تكون الاجابة (نعم)أنا اعرف العربية
قال يوسف، شامتًا فيَّ: إن لم تكن اسدًا في العزم ولا غزالا في السبق فلا تتثعلب. ثم سألني هذا الأسود: أما سمعتني قلت: وأنا الأخضر من يعرفني … أخضر الجلدة في بيت العرب؟
قلت له: بلى سمعتُك، قال: الآن تعلمت، فاسأل ما شئت. قلت له: أنا لا أسأل ولكنني..! قاطعني قائلا: فهمتُ قصدَك، أنت تريدُ ان تعرفَ من أنا، أنا شاعرُ بني هاشم، وحفيدُ أبو لهب، إسمى فضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب. قلت له: جدُك ابو لهب لم يكن اسودَ اللون، فمن أين جاءتك هذه السمرة؟ قال: جاءتني هذه السمرةُ من جدتي الحبشية، أما اللهبي نسبةً الى جدي أبي لهب، وأنا نشأت في بيت بني هاشم، ولدتُ من أبوين هاشميين، ولي أشعار كثيرة في المدح والذم والشجاعة والكرم، وغيرها من مكارم الأخلاق، وإن شئتَ أسمعتُك بعضًا منها. قلت له: لي عظيم الشرف، فألقى علينا بعضًا من قصائده، ثم سألني: من انت؟ وما الذي اتى بك الى هذا الشجن؟ اخبرته بغرضي. قال لي: إذهب إلى ابنِ حمامةَ قبل أن يدخلَ وقتُ الأذان وتعَرَّف عليه. قلتُ: من هو ابنُ حمامة؟ قال: لا تُضَيِّع وقتَك في الاسئلة، إذهب اليه فإنه على بعد خطوات من هنا.. أسرعنا الخطى حتى وقفنا أمام رجلٍ أسود كان يتوضأ ببطءٍ وعلى مهله، ظننا أنه يتعمد ذلك حتى نَمَل وننصرف، لكننا بقينا صابِرَيْن ومنتظرين. بعد أن قضى الوضوءَ اتجه نحونا بوقارٍ وتمهل وبادر بالسلام فرددنا عليه التحية بمثلها. سألته بلطف: هل أنت إبنُ حمامة؟ ابتسم وقال: نعم، حمامةُ هي أمي واسمُ أبي رباح، قلنا له بصوت واحد(كأننا لم نصدق): أنت بلالٌ بنُ رباح؟ قال: نعم ولستُ أنا وحدي في الصحابة من المنسوبين إلى أمهاتهم. سألته: من غيرُك من الصحابة؟ قال: على سبيل المثال، إبن مكتوم : مكتوم هي أمه واسم أبيه عمرو. والحارث بن البرصاء، والبرصاءُ هي أمه واسم أبيه مالك. وشُرَحّبِيلُ بن حسنة، وحسنة أمه واسم أبيه عبد الله، وغيرهم كثير. ثم استطرد قائلا: هل سمعتما بالطفلين (معاذ ومعوذ) ابطال غزوة بدر؟ عفراء امهم وأسم ابيهما الحارث٠ إنه بلال بن رباح
هنيئاً زادك الرحمن خيراً … فقد أدركت ثأرك يا بلال.
سألته عن قصة هذه الأبيات، ومن الذي قالها؟
تروَّى قليلاً ثمّ أَحْجَمَ بُرْهَة، ثم أجاب: قائلُ هذه الأبيات هو الصديق- رضي الله عنه- في غزوة بدر عندما قتلتُ أميةَ بن الخلف، قلت له: وهل انت من قتل اميةَ بنَ خلف؟ نظر اليَّ نظرةً تقول لي: وهل انت لا تعرف من قتل اميةَ بن خلف؟ هل انتم بعيدين الي هذه الدرجة عن كتب السير والمغازي؟ تدارك يوسف الموقف، فال له: نحن نعرف ولكن يقصد انه يريد التفاصيل، فابتسم بلالٌ وقال ليوسف: إنها حيلة مباحة لطيفة أوجدت بها مخرجًا لصديقك وانا قبلتها منك، ثم واصل حديثه عن قتله لامية، قال: بعد أن أعلنتُ إسلامي في مكةَ، أذاقني أميةُ بنُ الخلف مرَّ العذاب، وبقيتُ صابرًا متمسكًا بإسلامي و تمضي الأيام، وأهاجر إلى المدينة، وخرجت مع المسلمين إلى غزوة بدر، ورأيتُ، من بين جموع المشركين، أميةَ ابن خلف، فهتفت قائلاً: ” لا نجوتُ إن نجا ” فهجمت عليه هجومَ الأسد الجريح المنتقم، ويمكنني الله منه، فأقتله بيدي التي كان يوثقها، ويهتف المسلمون ببدر (أحدٌ أحد) أقشعرت جلودنا لهذا المشهد فهتفنا- يوسف وانا- (أحدٌ أحد).. ولسيدنا بلال مناقبُ عظيمة، مثل ترشيحه للتفاوض مع الروم في سنة 13 هجري أثناء حصار قيسارية بفلسطين، في هذا التفاوض يمثل الإسلام رجلٌ أسود كان مملوكًا بالأمس القريب، بينما يمثل الروم ابنُ ملكهم العظيم، ضاربًا بذلك أروعَ الأمثلة للمواجهة بين ثقافة الإسلام الصاعدة وثقافة الروم الآفلة.. قال له يوسف: يا سيدنا بلال، إن الحديثَ معك ممتع وذو شجون.. ادرك بلالٌ ما يرمي اليه يوسف، فسأله: الي أي شجن قادك الحديث معي؟ قال يوسف: سمعنا انك خطبت لأخيك خالد بن رباح امرأةً قرشية، وقلت لأهلها حديثًا أزعج اخاك خالدًا، لأنه كان يعتقد ان ما قلتَه سوف يكون سببًا في رفضه وعدم قبوله، ما هي القصة وماذا قلتَ، رحمك الله؟ صمت بلال برهةً ثم ابتسم ثم قال: أفصح لي أخي خالدٌ عن رغبته في الزواج من امرأة قرشية، وطلب منى الذهابَ معه لأهلها لخطبتها له، وافقت على طلبه وذهبت معه، وقلت لهم: نحن من قد عرفتم، كنا عبدَيْن فأعتقنا الله، وكنا ضالَيْن فهدانا الله، وكنا فقيرَيْن فأغنانا الله، وأنا أخطبُ إليكم على أخي فلانة، فإن تنكحونا فالحمد لله، وإن تردونا فالله أكبر، فأقبل بعضُهم على بعضٍ يتشاورن فقالوا: بلالٌ من قد عرفتم سابقتَه ومشاهده ومكانته من رسول الله، فوافقوا على زواج ابنتهم لأخي خالد، فلما انصرفنا قال لي أخي خالد: يغفر الله لك! أما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله! فقلت : مه يا أخي! صدقت فأنكحك الصدق. وبعد أن استمعنا منه ما قاله لأهل القرشية، قلنا له: نحن نبحث عن الصحابي أسامة بن زيد، رضي الله عنه، قال بلال: صلوا معنا و سيأتي للصلاة هنا ان شاء الله، قلنا: سمعا وطاعة وسوف يكون لنا معه- رضي الله عنه- لقاء..
*أسامة بن زيد*
بعد أن قُضِيتِ الصلاةُ، سألت يوسف: هل من يجلس على يمين بلال هذا هو أسامة بن زيد؟ وبينما نحن نتساءل فيما بيننا، شاهدنا بلالًا يتحدث معه ويشير بأصبعه تجاهنا، توقعنا ان يكون هو أسامة، فقام ذلك الشاب الأسود متجها نحونا واثقَ الخطوةِ يمشي ملكًا، وقبل أن نقوم لمقابلته، بادر هو بالجلوس أمامنا ثم صافحنا مبتسما، قلنا له: جئنا لمقابلتك، قال نعم حدثني سيدُنا بلال، وأعرفكم بنفسي: انا اسامة بن زيد بن الحارثة، وُلدت في بيت رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. كان يوسف متحمسًا للقاء أسامة ليعرف سر توليه الرسول صلى الله عليه وسلم قيادة الجيش لغزو الروم، واعتراض القوم في قبول ان يكون أسامةُ قائدًا عليهم وفيهم من هو اكبرُ منه سنًا، وماذا كان رد الرسول صلى الله عليه سلم؟ .. ولكنني اختتمت اللقاءَ على ان نلتقيَ معه في رمضان القادم باذن الله..
والله أعلى وأعلم..
14 يناير 2025م


