أعمدة الرأي

العنكبوت دكتور مهند عثمان التوم يكتب: إشكاليات الجغرافية والإثنية والقبلية في السودان ما بعد الحرب

 

في أعماق الأزمات والصراعات يكمن التحدي الأكبر الذي يواجه السودان كيف تتحول الجراح إلي أدوات للبناء بدلاً من تكريس الانقسامات، يعدُّ فيها التوظيف السياسي والعسكري للإشكاليات الإثنية والقبلية أحد أبرز الظواهر التي تستدعي النظر والتمعّن، إذ أصبحت تلك الهويات تُستغل في سياق سياسي وعسكري لتحقيق طموحات وأجندات معينة مما يشكل خطراً علي وحدة التراب والنسيج الاجتماعي بعد الحرب التي يمر بها السودان، المشهد الآن تنامي مشاعر الهشاشة والضعف في بناء الهوية الوطنية الجامعة إذ استخدم بعض الفاعلين مشاعر الانتماء الجغرافي والقبلي والإثني كوسيلة للتجنيد والتحشيد، مما أعاد إلي السطح سلوكيات ونزعات قديمة اعتقدناها قد عفاها الزمان ولا المكان يشبهها، لكن مرة اخري ظهرت دعوات مشبوهة تدعو إلي التحشيد علي أساس اللغة أو العرق أو الجغرافية مستغلةً شعور الناس بالخوف من المجهول ومتغذيةً علي أثار المعاناة والتهجير الذي خلفته الحرب.

إن التوظيف السياسي والعسكري للأشكال الجغرافية والإثنية والقبلية لا يقتصر فقط علي الجانب السلبي، بل يمكن أن يُفهم أيضاً علي أنه تعبير عن الهوية والحق في المشاركة، ولكن في سياقات معينة يتحول إلي أداة للتلاعب والسيطرة، وعندما يتخذ النجاح السياسي العسكري شكلاً من أشكال الاحتواء هتك القيم فقد يؤدي ذلك إلى تفتيت الهوية الوطنية يُخضع فيها الأفراد لأجندات قد تتعارض مع مصالحهم الحقيقية، ويضعف وحدتهم في مواجهة التحديات المشتركة.

تأخذ الصور النمطية السودانية دوراً كبيراً في هذا التوظيف حيث يتم تصوير بعض القبائل كمصادر للتهديد أو كحلفاء يمكن الاعتماد عليهم في المزيد من القوة والنفوذ ويتلقف الفاعلون السياسيون هذه الصور ليعززوا من ولاءاتهم ويعزّزوا من قواهم متجاهلين الأبعاد الإنسانية والاجتماعية العميقة التي تربط بين الأفراد من مختلف الإثنيات.

في سودان يتسم بالتداخل والتعقيد يتطلب الأمر من صانعي السياسات في السودان القيام بتقييم شامل وعميق للأبعاد الإثنية والقبلية وتأثيراتها علي الاستقرار ونخص (وزارة الثقافة والاعلام) يجب عليها السعي إلي بناء وطن يتجاوز الهويات الضيقة، وينطلق نحو التفاهم المتبادل والتعايش السلمي إن مقاومة التوظيف السياسي للإشكاليات الإثنية والقبلية تتطلب من جميع أفراد المجتمع بمن فيهم القادة والسياسيين تحمّل المسؤولية والعمل من أجل تعزيز الحوار ونشر وبناء الثقة بين مختلف الفئات خاصةً البرامج التي تُعزز من فهم الآخر والاعتراف بتنوعه فكلما ازداد الوعي الجماعي بقيمة التنوع زادت فرص بناء وطن أكثر استقراراً.

إن التاريخ السوداني يشهد علي أن الصراعات الإثنية والقبلية لا تعني فقط الحقائق التي يتحدث عنها السياسيون وإنما تمثل آلاماً ومعاناتٍ عميقة لأناس عاديين، لذا فإننا بحاجة إلي إعادة النظر في الطرق التي نتعامل بها مع هذه الإشكاليات مع إدراك أن الماضي لا يمكن تغييره ولكن المستقبل يمكن أن يُصنع بأيدينا جميعاً لنبدأ صفحة جديدة نكتبها بتعاضد وتفاهم واعتراف بأن الأمل لا يزال ممكناً وأن صوت العدالة يمكن أن يُسمع عبر تناغم الهويات المختلفة.

نقول ختاماً بإن التوظيف السياسي العسكري للإشكاليات الإثنية والقبلية هو تحدٍ كبير لكنه يحمل في طياته أيضاً فرصة لإعادة بناء الهوية الوطنية في السودان بطريقة تعكس غنى التنوع وتؤسس لثقافة الوئام والتحاور حتي نمضي قدماً نحو الاستقرار والازدهار.

زر الذهاب إلى الأعلى