أُسيديات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسيد يكتب قل لي نشيدَكم الوطني أقولُ لك من أنت

تكلم حتى أراك، عبارةٌ قالها الفيلسوف اليوناني سقراط، وأصبحت مثلًا، وهذه حقيقة نشاهدها في حياتنا اليومية.
الكلمات تكشف عن شخصيتك، من أنت؟ عاقلٌ أم أحمق.. حليمٌ ام متهور.. ذكيٌ أم غبي شجاعٌ ام متردد.. مسئولٌ ام سبهلل.. أخرصٌ أم تسمع. وقيل: البلاءُ موكلٌ بالمنطق. قال الشاعر: تَفَاءلْ بِمَا تَهْوَى يَكُنْ فَلَقَلَّمَا … يُقَالُ لِشَيْءٍ كَانَ إِلَّا تحققا.. يقول سيدُنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: أظلُ أهابَ الرجلَ حتى يتكلم، فإن تكلم سقط من عيني، أو رفع نفسه عندي.
لاحظتُ ان كلمات النشيد الوطني تعبرعن سلوكيات مجتمعِ الدولة صاحبة النشيد، فقمت بدراسة عينات من هذه الأناشيد للتأكد من صحة هذا الاعتقاد، ولنرى النتائج معًا.. بسم الله نبدأ بالمملكة العربية السعودية.
*نشيد العلم السعودي:*
الشعب السعودي شعب ديدنه السرعة وهناك فرق بين السرعة والعجلة (أنَّ السُّرعةَ هي التَّقَدُّمُ فيما ينبغي أن يُتقَدَّمَ فيه، وهي محمودةٌ، أما العَجَلةُ هي التَّقدُّمُ فيما لا ينبغي أن يُتقَدَّمَ فيه، وهي مذمومةٌ) كل من عاش في هذا البلد يعرف ممارسة السعوديين للسرعة، يشاهدها في قيادتهم للسيارة، في تعاملهم اليومي مع بعضهم البعض ومع الغير، أن يقول لك السعودي: سرعة الله لا يهينك، سرعة الله يرحم والديك٠٠هذه العبارات لن تغيب عن مسامعنا منذ ان دخلنا هذا البلد الطيب، كما ان ظاهرةَ السرعة واضحةٌ جليةٌ في التطور في كافة المجالات في المملكة السعودية، ولو أردنا الخوضَ في هذ الشأن لطال الحديث وتشعب، ولكنني اشرتُ اليه إشارةً لطيفة مستهلا به الدخول في موضوعنا وهو (السرعة) التي تجري مجرى الدم في عروق الاخوة السعوديين، لذلك يبدأ نشيدُ العلم السعودي بكلمة سارعي
(سارعي للمجد والعلياء مَجّدي لخالق السماء، وارفع الخفاق أخضر، يحمل النور المسطر، رددي الله اكبر، يا موطني) حقا، وانا اشهد، فقد سارعوا للمجدِ والعلياء وأشهدُ انهم يسارعون في الخيرات (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) المؤمنون 61 ..هذا البلد هو رمانة الميزان نسأل الله ان يحفظه من كل شر. شكراً لكل سعودي وسعودية، مدني وعسكري رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا.( أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)
*النشيد الوطني السوداني:*
عُرف شعب السودان، اقصد شعب دولة السودان، بانه قوة شرائية قوية، تجدهم في كل الأسواق، في سوق الذهب وسوق العقار وفي معارض السيارات وفي سوق الغنم، عن قوتهم الشرائية حدث ولا حرج، هذا السلوك تجده واضحًا في نشيدهم الوطني، ماذا يقول النشيد الوطني السوداني؟( نتحدى الموت عند المحن. نشتري المجد بأغلى ثمن) لكم ان تتخيلوا، نريد ان نشتري المجد وبأغلى ثمن، ألم اقل لكم نحن قوة شرائية هائلة، حتى المجد نريد ان نشتريه علمًا ان ما لدينا من أمجادٍ يزيد عن حاجتنا، لكنها الرغبة في الشراء، عفوًا ومهلًا دعوني ابرر لكم ذلك، نحن نقصد ان نبيع المجد وليس نشتريه وهذا على أسلوب القران الكريم (وشروه بثمن بخس) أنهم باعوا يوسف بثمن بخس، وكذلك نحن بعنا المجد ولكن بأغلى ثمن أليس هذا من الحيل المباحة؟ التحية لشعب دولة السودان، امتي يا امة الأمجاد والماضي العريقى، يانشيدا في دمي يحيا ويجري في عروقي. نحن جند الله جند الوطن إن دعا داعي الفداء لم نخن..
*النشيد الوطني السوري:*
سوريا هي الشام، عاصمتها دمشق، وهي عاصمة الدولة الأموية، منها انطلقت جيوش الشام للفتوحات الإسلامية من المشرق للمغرب حتى صارت دولةً قويةً متراميةَ الاطرف متماسكةَ البناء ثريةً بالموارد غنيةً بالرجال والقادة، كل ذلك في الشام ومن الشام، كانوا- حقا- حماةَ الديار، فمن حقهم أن يبدأ نشيدهم الوطني بهذا المطلع: (حُـماةَ الـدِّيارِ علَيكُمْ سَـلامْ ،أبَتْ أنْ تَـذِلَّ النُّفـوسُ الكِرامْ، عَـرِينُ العُروبةِ بَيتٌ حَـرامْ٠٠ وهنا لنا وقفة عند كلمة (عرين) هذه الكلمة هي التي مكّنت عائلةَ الأسد لأكثر من نصف قرن.. يستمر النشيد الوطني السوري، حتى ينتهى بـ فمِـنَّا الوَليـدُ ومِـنَّا الرَّشِـيدْ فلِـمْ لا نَسُـودُ ولِمْ لا نَشِـيدْ؟) نعم منهم الوليد بن عبدالملك عهده كان العصر الذهبي للدولة الاموية، اما الرشيد المقصود هنا هو الانسان (الرشيد) وليس هارون الرشيد لأنه كان من بغداد.. تحيةً للشعب السوري من الأعماق مع امنياتنا لهم بالأمن والاستقرار وبناء سوريا حرة جديدة كما كانت وافضل، ان الله على كل شي قدير..
*النشيد الوطني المصري:*
معلومٌ لدى الجميع ما مرت به مصرُ عبرالتاريخ من تغيرات في الحكم، كل ذلك أيضا كان له الأثر في أناشيدهم الوطنية، التي كانت تتغير مع تغير أنظمة الحكم فيها، على سبيل المثال هذا النشيد المصري القديم: (كنتَ في صمتك مرغمٌ.. كنت في صبرك مكرهٌ.. ودمي ملء ثراك.. أنا يا مصر فتاك.. احمي حماك.. الي آخرالنشيد) وبعد أن نالوا استقلالهم وآل الامرُ اليهم، عادوا الي طبيعتهم، حبهم للحياة وحبهم لمصر وتعبيرهم الموسيقي وهذا هو نشيدهم الوطني (بلادي بلادي لك حبى وفؤادي. مصر يا ام البلاد.. انت غايتي والمراد.. وعلى كل العبادِ كم لنيك من اياد.. بلادي بلادي لك حبى وفؤادي) خفة هذه الكلمات على السمع تعكسُ خفةَ دمِ الشعب المصري المعروفة لدى الجميع، كما أنَّ صوتها الموسيقي أيضا، فيه نفحةٌ من روحِ الشعب المصري، وتقول كلمات النشيد: (وعلى كل العباد) نعم في مصر كل العباد سبحان الله!! التحية لاخواننا في الرضاعة من نيل واحد، مصر يا اخت بلادي يا شقيقة..
*النشيد الوطني التونسي:*
الشعب التونسي شعبٌ يعْشَقُ الحياةَ ويُغني لها، ولكن الغريب في الأمر ان نشيدَهم الوطني يتحدث عن الموت بينما النشيد الوطني الليبي مؤلفه تونسي فيه عبارة الخلود للجدود التحية لشعب ليبيا الحر، الذي يردد في نشيده: (يا بِلادي يا بلادي بِجِهادي وجِلادي .. إدفعي كَيدَ الأعادي والعَوادي) إن شاء الله قريبا تدفعون كيدَ الأعادي والغوادي، فانتم تستطيعون، عاشت ليبيا حرة موحدة…أما النشيد الوطني التونسي، الذي تقول كلماته: (حُمَاةَ الْحِمَى يَا حُمَاةَ الْحِمَى، هَلُمُّوا هَلُمُّوا لِمَجْدِ الزَّمَنْ،لقد صرخت في عروقنا الدما، نموت نموت ويحيا الوطن) هذه الكلمات كسرت القاعدة كليًا، هذه الكلمات لا تشبه شعب تونس الذي أحب الحياة وغنى لها حتى انهم هتفوا في ثورتهم: إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر، فرضوا حتمية انجلاء الليل وحتمية كسر القيد لمن أراد الحياة، لا ذكر للموت في حياتهم ونضالهم، فكيف يكون في نشيدهم نموت نموت ويحيا الوطن، اقلقني هذا الامر وقمت بالبحث، فوجدتها وجدتها، وجدتها، وجدت أن كلمات النشيد مؤلفها ليس تونسي إنها من تأليف الشاعر المصري السوري، مصطفى صادق الرافعي، وبعدها هدأ بالي، ولعلَّ من تركيبة الشاعر المصري السوري(تركيبة مصر مع سوريا) وحروبهم معا في عهد المماليك ضد المغول وغيرها اجرت في عروق هذا الشاعر دماء الموت، لا يهمني السبب، أهم شيء أن دراستي- حتى الان- سليمة والحمد لله٠ التحية لشعب تونس الذي يحب صعود الجبال ولا يحب ان يعيشَ بين الحفر، إنهم كالأشجار تعيش واقفة، الله يوحد كلمتكم على الحق، ويحفظكم بحفظه من كل سوء..
*النشيد الوطني العراقي:*
قبل ان تكتمل فرحتي بكسبي للرهان في النشيد التونسي، إذ يطل علينا النشيدُ العراقي بنفس الإشكالية، حيث إنَّ كلماتَه لا علاقةَ لها- اطلاقا- بالشخصية العراقية المعروفة بخليطها البدوي الحضاري، الشخصية العنيدة التي لا تستسلم، اليكم كلمات النشيد الوطني العراقي: ( مَوْطِني، موطني.. الجلال والجمال.. السناء والبهاء.. في رباك.. في رباك.. والحياة والنجاة والهناء والرجاء) هل هذا الكلام يعبر عن الشخصية العراقية؟ العراقي الذي يعتبر إزالةَ الشوارب إهانة وبقاءها ضمانة للهيبة وتسديد الديون، هل من المنطق أن رجلَ العراق الذي يقسم بشاربه إذا تعهد بأمر ما، او يهدد بحلقه اذا لم يثق فيه الآخرون؟ هل يعقل ان تكون هذه مفرداته، الجلال والجمال، والسناء والبهاء، والحياة والنجاة والهناء والرجاء؟ أحلق شواربي لو كانت هذه الكلمات من تاليف عراقي.. ثم بذلت اقصى ما لديَّ من جهدٍ لمعرفة الحقيقة خائفًا مترقب، حتى لا أحلق شواربي، وأخيرا والحمدلله ، هداني الله لمعرفة مؤلف هذا النشيد العراقي، إنه الشاعر الفلسطيني أبراهيم طوقان.. نعم انها- حقًا- كلماتٌ تليقُ بإنسانٍ يشتاقُ للعودةِ الي وطنه.. التحية للشعبِ الفلسطيني رمز الصمود والنضال، ومنتصرين بإذن الله، الله ثم نحن معكم.. ولكن يظلُ هناك سؤالٌ قائمٌ؟ كيف أستساغ الشعبُ العراقي هذه الكلمات؟ يقول الكاتب العراقي على الوردي: إنَّ العراقي ينادي بقيم الكرامة والغلبة ولكن حياته تجبره على الانصياع لقيم التحضر…إنتهى كلام علي الوردي.. إذًا فقد يكون انصاعوا مجبورين على قبول هذا النشيد الذي تم اعتماده من رئيس سلطة الائتلاف المؤقته بول بريمر بعد الغزو الأمريكى للعراق سنة2003م.. التحية لشعب العراق العريق، الكوفة والبصرة التاريخ الإسلامي العربي والفارسي، وبغداد الرشيد مدينة السلام، سوق الورَّاقِين والرصافة والجسر، الفقه والعلماء والفن والادب، الفتوحات والمغول والتتر الدموع والشموع، أعاد الله امجادَك ونفع بك وبعلمائك اهلك و العالم، كما كنت سابقا، يارب العالمين، كان بالإمكان التجول في كل الأوطان ولكن بعبع الزمان يقف مهددا كعادته، ولكن لا بد من صنعاء وإن طال السفر.. إلى اليمن ونشيدهم الوطني.. *النشيد الوطني اليمني*..
الأخوة اليمنيون هم أكثر الناس انتشارا على سطح الكرة الأرضية، تجدهم في كل بلدٍ من بلدان الأرض في مشارق الأرض ومغاربها، لذلك عندما يُعلن عن النشيدِ الوطني اليمني، تكون كل الدنيا قد رددته، وهذا هو مطلع نشيدهم يؤكد ذلك: (رددي أيتها الدنيا نشيدي، ردديه وأعيدي وأعيدي) هؤلاء هم اليمنيون، كل الدنيا تردد نشيدَهم، هذا هو اليمن السعيد، نعم سعيد كيف لا، ولهم من السماء نجمها ( سهيلٌ من النجوم) ومن الكعبة ركنهاز( الركن اليماني) ومن السيوف صميمها (صمصامة عمرو بن معدي كرب..سيفه المعروف) ومن البرق يمانيها(البرق اليماني) هو الضوء المبهر الذي يظهر فجأةً في قلب السماء من ناحية اليمن، يذكرونه الشعراء في أشعارهم ومنهم عنترة قال: ( طربت وهاجني البرق اليماني وذكرني المنازل والمغاني)..الي احبائنا أبناء اليمن، نقول لكم ما قاله الشاعر اليمني عبدالعزيز المَقالح من عشرات السنين: (يوما تُغنّى في منافينا القدر .. لا بدّ من صنعاء وإن طال السفر، لا بد منها حبنا شوقنا، تدوين حوالينا اين المفر، بكل مقهى قد شربنا دمعها، الله ما احلى الدموع وما أمر).. التحية لشعب اليمن شماله وجنوبه، لكم حبنا واشواقنا فنحن منكم وانتم منا اين المفر..
كانت هذه دراسىة مصغرة اخذت منها نماذج لبعض من الدول العربية، نموذجًا من الخليج واخرَ من الشام، ومن مدرسة العراق ومن شمال افريقيا ومن جنوب جزيرة العرب ومن افريقيا ومن دولة السودان، باعتبارها الدولة المضيفة.. التحية لكل الشعوب العربية الشاهدين في هذا المقال والغائبين قسرًا، لم يسقط اسمهم سهوًا، ولكن خوفا من طول المقال ومن بعبع الوقت وعذرًا لهم.. نسال اللهَ ان نجتمع- جميعنا- تحت رايةٍ واحدةٍ، ويكون لنا نشيدٌ وطنيٌ واحدٌ وعملة واحدة، سيّما أن كل العوامل متوفرة، وما ذلك على الله بعزيز. اللهم ألّف بين قلوبِنا و أصلح ذاتَ بيننا واهدنا سبل السلام… آمين
والله أعلى وأعلم..


