عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان يكتب المليشيا تتحدى الأمم المتحدة اختبار للضمير الدولي

بسم الله الرحمن الرحيم
المليشيا تتحدى الأمم المتحدة اختبار للضمير الدولي
في السودان، يتجسد التحدي الأكبر أمام المجتمع الدولي في ممارسات مليشيا الدعم السريع، تلك المليشيا التي لم تكتفِ بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، بل تمادت في تحديها الصريح لقرارات مجلس الأمن، وكأنها فوق القانون. القرار الأممي رقم 2736، الذي أُقر في يونيو 2024 بأغلبية ساحقة، طالب المليشيا برفع الحصار عن مدينة الفاشر وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. لكن بدلًا من الامتثال، أصدرت المليشيا بيانًا يمنح القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة مهلة 48 ساعة لإخلاء المدينة وتسليم أسلحتهم.
لا أود تحليل هذا الإنذار من ناحية عسكرية أو استخباراتية لفهم ما وراءه، فهناك مؤسسات تمتلك الأدوات اللازمة لذلك. ما يستحق التأمل هنا هو مدى الاستهتار الذي تُظهره هذه المجموعة تجاه القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة، وكأن هذه المؤسسات مجرد أسماء بلا سلطة.
رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أشار بوضوح في خطابه أمام الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي إلى هذا الواقع المرير. قال بصراحة إن المليشيا لا تكتفي بانتهاك القوانين، بل تتحدى الإرادة الدولية بشكل علني، دون خوف من العواقب.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: أين يقف المجتمع الدولي من كل هذا؟ هل سيظل يشاهد من بعيد بينما يتفاقم الحصار على مدينة الفاشر؟ السكان هناك يعانون الأمرّين، من نقص الغذاء والماء والدواء، وسط تقارير يومية عن انتهاكات لا يمكن وصفها.
إن هذا التحدي لا يهدد السودان فقط، بل يضع استقرار المنطقة بأكملها على المحك. إذا استطاعت مليشيا أن تتجاهل قرارًا صادرًا عن مجلس الأمن دون أي رادع، فماذا يعني ذلك لمصداقية الأمم المتحدة؟ وكيف يمكننا إقناع الشعوب بجدوى القوانين الدولية إذا لم تُطبق على الجميع؟
ما نحتاجه اليوم هو تحرك حاسم. المجتمع الدولي مطالب بفرض عقوبات فورية على قادة المليشيا، وبذل كل الجهود القانونية والسياسية لضمان التزامهم بالقرارات الدولية. يجب تصنيف هذه المليشيا كمنظمة إرهابية، والتعامل معها على هذا الأساس من خلال فرض عزلة دولية عليها، ومنع أي دعم مادي أو سياسي يصلها، ومحاكمة قادتها أمام المحاكم الدولية. علينا أن نتأكد أن المساعدات الإنسانية تصل إلى الفاشر رغم الحصار، وأن ندعم الحكومة السودانية في مواجهة هذا الخطر.
التحدي الذي تفرضه قوات الدعم السريع على القرار 2736 ليس مجرد اختبار لقوة الأمم المتحدة، بل هو اختبار للضمير العالمي. هل نقف مكتوفي الأيدي بينما يعاني الأبرياء؟ أم نتخذ موقفًا شجاعًا يضع حداً لهذا العبث؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير السودان، بل مصير العدالة الدولية ككل.
عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان
٢١ يناير ٢٠٢٥م


