أعمدة الرأي

عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان يكتب هل بدأت تسعة طويلة تطل برأسها من جديد؟

بسم الله الرحمن الرحيم

 

خلال الأيام الماضية، بدأت تتردد في بعض أحياء أم درمانن شكاوى حول عودة ظاهرة تسعة طويلة، تلك العصابات التي أرعبت الناس قبل الحرب. كثير منا كان يظن أن هذه الظاهرة أصبحت شيئًا من الماضي، لكن يبدو أن الحرب قد أخرجت كل ما كان مختبئًا تحت السطح، وأعادت الفوضى للواجهة من جديد.

 

ما يثير التساؤلات هو أن الأمور التي كانت غامضة في وقتها بدأت تتضح الآن. هناك إشارات ودلائل تؤكد أن هذه العصابات لم تكن مجرد تجمعات شبابية خارجة عن السيطرة، بل ربما كانت جزءًا من خطة أكبر أعدها الدعم السريع لتهيئة المشهد لانقلابه العسكري. تلك المخططات، التي كانت تهدف إلى نشر الخوف وزعزعة الأمن، لم تختفِ تمامًا، بل إن تبعاتها ما زالت تضغط على حياتنا اليومية، خاصة في ظل الاضطراب العام الذي تعيشه البلاد.

 

لكن لنكن منصفين، العبء الواقع على الشرطة اليوم أكبر من أي وقت مضى. ما بين توفير الأمن ومواجهة التحديات المتزايدة مع شح الموارد، تبدو الأمور أصعب من أن تُحل بالطرق التقليدية فقط. لذلك، من المهم أن نمد أيدينا كأفراد في المجتمع، وأن نشارك في حماية أحيائنا، ليس بالتجاوز على دور الشرطة، بل بالتنسيق معها.

 

وعلى الشرطة أيضًا أن تبذل مزيدًا من الجهد. فكما نجحت في مواجهة التحديات المباشرة، وهو ما يمكن وصفه بالجهاد الأصغر، فإن أمامها الآن تحدي الجهاد الأكبر: فرض الأمن وبسط الطمأنينة في نفوس المواطنين. لا يكفي مواجهة الظواهر السلبية بعد وقوعها، بل يجب الاستباق إليها والعمل على استئصالها من جذورها من خلال خطط أمنية محكمة وشراكات مجتمعية فاعلة.

 

التجارب أثبتت أن الشرطة المجتمعية يمكن أن تكون الحل المثالي في أوقات كهذه. تخيل لو أن كل حي نظم نفسه، وأنشأ لجنة صغيرة للتنسيق مع الشرطة، للإبلاغ عن أي نشاط مريب، وللمساهمة في خلق بيئة أكثر أمانًا. الأمر لا يحتاج إلى بطولات خارقة، بل إلى تعاون بسيط لكنه فعّال، تعاون يجعلنا جميعًا شركاء في حماية بيوتنا وأهلنا.

 

عودة تسعة طويلة ليست مجرد ظاهرة سيئة نريد التخلص منها، بل هي ناقوس خطر يذكرنا بأن الفوضى ليست بعيدة إذا لم نتكاتف جميعًا. الأمن مسؤوليتنا جميعًا، والشرطة وحدها لن تستطيع مواجهة هذا العبء دون دعم منا.

 

في النهاية، المسألة أكبر من مجرد ظاهرة عصابات. إنها دعوة لنا جميعًا لأن نكون جزءًا من الحل، لأن نحمي أحيائنا بأيدينا وبالتنسيق مع الشرطة. فالأمن ليس مجرد وظيفة، بل شعور جماعي نستحقه جميعًا.

 

عميد شرطة (م)

عمر محمد عثمان

 

٢٣ يناير ٢٠٢٥م

زر الذهاب إلى الأعلى