مدارات للناس هاشم عمر يكتب مدني …عينيَّ النوم أبى (2 – 3)

ونحن ندخل مدني الجميلة عن طريق كبري حنتوب مر شريطٌ عريض من ذكرياتي قبل عامين عندما وصلتها من الخرطوم فارّاً من ويلات الحرب في طريقي إلى بورتسودان عن طريق طويل وشاق في فيافي شرق النيل والبطانة مع أسرتي الصغيرة بعد أن فارقت منزلي الذي حُوصرت فيه قرابة الشهرين. والحرب اللعينة مشتعلة في أرجاء الوطن، ليلة خروجي من منزلي مع أطفالي في بيئة معادية وسط ظروف معقدة مبنية على المجهول، ومفارقة أحبابي وأصدقائي الذين حالهم كحالي ودَّعوني بعيون باكية ورجاءات ودعوات بأن أعود إلى شرق النيل وتحديداً مدينة الصحفين بعد إجلاء أسرتي إلى بورتسودان، فكان ملاذي منزل صديقي راشد في حي المدنيين حيث الخضرة والجمال والوجه الحسن وضيافة أهل مدني السني، وهي مدينة تحبها وتعشقها كإمرأة فاتنة لها عطرها وتوقيعها المميز.
دخلتها في صباح يوم شتوي في معية وفد مقدمة رئاسة الشرطة بقيادة الفريق أول خالد حسان محيي الدين المدير العام لقوات الشرطة ووفده الرفيع .
فتراءت إلى مسامعي قصيدة (اختلاجات الضحايا) للشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة ؛
إرقصي مذبوحةَ القلب وغنّي
واضحكي فالجرحُ رقصٌ وابتسامُ
إسألي الموتى الضحايا أن يناموا
وارقصي أنتٍ وغنّي واطمئني
أدموع، أسكتي الدمع السخينا
واعصري من صرخةِ الجرحِ ابتساما
أانفجارٌ هدأَ الجرحَ وناما؟
فاتركيه وأعيدي القيد المهينا
نعم مدني الجريحة ماذا فعل بها الأوباش؟ كيف هانت عليهم مدينة النور والسرور والعلم والثقافة والأدب؟ وزارة الداخلية، والشرطة التي تعرضت لحملات جائرة قبل الحرب واختزل البعض عملها في (تاتشر وعلبة بمبان)، كانت هدفاً رئيساً في أعيانها المدنية ومنسوبيها؛ استهدافاً وتقتيلاً، تسبق الجميع الآن في معركة الإعمار، فكانت سباقة إلى مدني وسنجة والخرطوم تحمل معينات الحياة وتعيد البسمة إلى المدن المحررة تحت عنوان “تطبيع الحياة المدنية”.
حقيقةً.. أي منطقة دخلتها الشرطة هي دعوةٌ للطمأنينة والاستقرار
مدار أخير
ﺑﻬﺪﻳﻚ ﺍﻟﻔﻮضى
ﺷﺠﺎﺭ ﻃﻔﻠﻴﻦ
ﻓﻲ ﺳﺎﺣﺔ ﺭﻭﺿﺔ
ﺑﻬﺪﻳﻚ ﺍﻟﻐﺮﺑﺔ
ﻫﺘﺎﻑ ﺍﻟﻤﻮتى ﻭﺻﻤﺖ ﺍﻟﺘﺮﺑﺔ
ﺑﻬﺪﻳﻚ ﺣﺰﻧﻚ
ﻭﺳﺘﺎﺕ ﺍﻟﻔﻮﻝ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﻟﺨﻤﺸﺔ
الراحل بهنس


