مقالات الرأي

أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسيد يكتب  في مسجدِنا (خَنْزَب)

 

(خَنْزَبُ) هو اسم الشيطان الذي يأتي للإنسان أثناء صلاته ليشغله عنها، اقنعني أن اذهبَ لصلاة الجمعة مبكرًا هذه المرة، قال لي إجلس على الكرسي، إنه مباحٌ و مريحٌ و متاح، ثم قال لي: قراءة سورة الكهف يوم الجمعة شيءٌ أختلف فيه العلماء، هل هي عشر آياتٍ من أولها ام عشر آياتٍ من اخرها، لم يتفق العلماءُ، دعها حتى يتفقون.. أُنظر الي هؤلاء المصلين، تامل في خلق الله، فالتاملُ عبادة،( استدراج).. أنظر الي هذه الرؤوس، ذات الشعور البيضاء والسوداء والصلعاء، رؤوسٌ مستديرة ورؤوس مربعة ورؤوس كسرج العجلة، بشرٌ من مُخْتَلِف البلدان والألوان، والأحجام. اعرابٌ و عجم، يرتدون أزياءَ مختلفة، بعضها يدعو للعجب وبعضها يُثير الضحكَ والسخرية، حتى عمامتي هذه تُضْحكُ البعضَ، ويستغربها البعض، وتُعْجِب آخرين.. شماغ برتقالي، وعمامة بيضاء وشال بني، ولفة سوداء.. اقمشة الستائر، وأقمشة الملايات، واقمشة التنجيد، حتى البطانيات، كل هذه الأقمشة تم تفصيلها كملابس ويلبسها المصلون الآن، وكأن الامام أدرك ما يدور في نفوسنا فقرأ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ..

ثم أعودُ إلى عبادة التامل، هذا سباك، وهذا طبيب وهذا محاسب وهذا مترجم، وهذا يبحث عن عمل، وهذا متزوج وهذا أعزب، وهذا ذو أطفالٍ كثر، وهذا لديه طفلٌ واحد، وهذا عقيمٌ. حاولت ان اقرأ أفكارَهم، فظهر أمامي حالُ البشرية باسرها داخل هذا المسجد.. حبٌ وبغضٌ، زيجاتٌ وطلاقات، عقدُ عملٍ وفسخ آخر، ولادةٌ وموت، لقاءٌ وفِراق، شبعٌ حتى التخمة، وجوع حتى الموت.. حروبٌ تندلع وأخرى تنتهي، رحلاتُ سفرٍ متواصلة، قدوم ومغادرة انتصارات وخسائر حسد وغِيِرة، أحلامٌ تتحقق، وآمال تتلاشى، افراحٌ وأتراح، ضحكٌ وبكاء.. ثم دار بخاطري قولُ الشاعر: هَـبِ الدّنْيا تُساقُ إلَيْكَ عَفْواً..

أليس مصيرُ ذاك إلى الزوال..

كل هؤلاء منتظرين الامام، لا لسماع الخطبة، ولكن لتنتهي، فينتشروا في الارض.. أُحسُ بأنَّ هناك شيئًا غيرَ العبادةِ يجمعهم، هناك عاملٌ مشترك يجمع كلَ هؤلاء، فقد قرأت أفكارهم.. يقطع حبلَ أفكاري (خنزبُ) لأنه يعتقد أنني سرحتُ في روحانيات وهذا مما لا يُعجبُه، فيقول لي: أنظر إلى يحي الصقلي، أظن أن جذوره من صُقليَّة، وهو رجلٌ وَرِعٌ زاهد، ثم واصل قائلا: إن امرأة يحي هذه متعاونة معه ( هو خنزب) ويعدني بانه لاحقًا سيحكي لي قصتَها معه، كل ذلك بغرض الاستدراج كي يكونَ ملازمًا لي، بينما كان إبليس يثرثر في التدليس والتلبيس، كنتُ أتابع الناسَ و تحركاتهم داخل المسجد.. الباكستاني يتخطى الرقابَ بكل ثقةٍ.. البنغالي يفعلُ ذلك لكن بدهاء.. الهندي لا يتخطى الرقاب، يقف ثم يلتفت يمنةً ثم يسرةً، ثم الى الخلف، ثم الى الأمام ثم يجلس في مكانه.. السوداني يقرأ المصحفَ و هو يهتز طربًا أم اضطرابا لا أدري.. وجماعةٌ من الشباب الآسيويين، رشيقون كالنحل يلبسون كالفراشات يجلسون خلف السوداني ويعلقون على هذا الجيب الخلفي للجلابية، فهمتُ من لغة عيونِهم ومن حركات شفاههم، أنهم يحاولون إيجاد معنىً او سببًا لوجود هذا الجيب في هذا المكان الخلفي، ثم يتوقف (الزول) عن القراءة والاهتزاز، فقد لفت انتباهَه، دخولُ سوداني إلى المسجد، يبحث عن مكانٍ للجلوس، فظل يتابعه بنظره حتى وجد هذا الشخص مكانًا وجلس، وبعد أن اطمأنَّ صاحبنُا على صاحبه، عاد للقراءة والاهتزاز من جديد.. وهذا رجلٌ آخر يقف على ناحيةٍ داخل المسجد، مرتديًا لبسةً كاملةِ بربطة العنق، يحمل في يده سجادةً صغيرةً، ينظر الى المصلين بشيءٍ من العجب والتكبر، تذكرت قولَ الأحنف بن قيس -رحمه الله: “عجبت لمن يجري في مجرى البول مرتين كيف يتكبر”، يعني في مخرجه من صلب أبيه، وكذلك في دخوله في الرحم، وفي خروجه من بطن أمه فهي ثلاث. الناس يقرأون من المصاحف ومن الهواتف، ومن الصدور.. تفوح رائحةُ المسك، اتابعُ مصدرها، فإذا هو ينبعث من سعودي في مقتبل العمر، يجلس على كرسي وثير وانيق، ليس من كراسي المسجد وتحته سجادةٌ ناعمة أنيقة، إنه كرسيٌ متحرك، نظر إلى ساعته، ونظرتُ أنا إلى ساعةِ الحائط، وقت الأذان قد اقترب، إنقطع صوتُ التلاوةِ استعدادًا للهبوط! حقًا إنه كصمتِ ركابِ الطائرةِ عندما يُعلنُ الكابتن بدايةَ الهبوط التدريجي.. سرحتُ مع هذا الصمتِ، وهؤلاء المصلين الذين غاص بهم المسجدُ حتى فاض، إذًا قد يكون الوزنُ زائدًا، مما يُصَعِّب عمليةَ الهبوط.. والصمت يسود، والطائرةُ في هبوطها التدريجي، قال لي خَنْزَبُ: إربط الحزامَ، وبينما انا أعيشُ تجربة الهبوط، سمعتُ صوتَ خبطِ عجلات الطائرة على المدرج، تمسكت بالكرسي، إنه لم يكن إلا صوت المايكرفون طرق عليه المؤذن استعدادًا لرفع الأَذَان، أبتسم خنزبُ ابتسامةً خبيثةً، ثم استأذن في الخروج، وبعد الأذان، عاد و قال لي: ما عليك، خُذْ راحتَك وسوف أحملُ عنك متابعةَ الخطبة، ثم بدأ يهمس لي في اذني ما يقوله الامام: إن هند بنت عتبة مضغت كَبِدَ حمزةَ، ولكنها لم تبلعه، ولو فعلت، لما مس جسدها النار لطالما فيه شيءٌ من كبدِ حمزة. اما كبدُ حمزةَ، فهو موجود الآن لدى عائلة آل نفرٍ من الجن، في عُهْدَةِ جنيٍ منهم اسمه خنزب ( يروج لنفسه ولسلعته) يحتفظون به في أعماق البحار، يمنحونه لمن يُحبون، بمقدارِ جزءٍ من الجرام، ولازال لديهم منه الكثير، ومن يطعمه لن تمسَّ جسدَه النار. ويواصل إبليس في التدليس، قلت له: أنت خنزب، فمن هم ال نفر هؤلاء؟ قال: هذه عائلتي واستمع نفرٌ من الجنِّ، كان جدي منهم، أنا شاهدتُه وقد حكى لي قَصَصَهم ومغامراتهم مع الشهب.. قلت له: كم عمرك؟ قال: خمسمائة سنة، ثم قال لي: أنا أستغرب في اعمارِكم انتم البشر، أنها قصيرةٌ، وانتم تقضون نصفَها في بناءِ المنزل، والنصفَ الاخرَ في تأثيثه. لو اعطيتك ذرةً من كبد حمزة سوف تعمر طويلًا، ثم قال لي: زوجة جارك يحي الصقلي اطعمناها من كبد حمزة، وشيئًا من دم هملاج، قلت له: من هملاج هذا؟ قال: هذا اسم الذئب الذي أكل يوسف.. قلت ولكن يوسف لم يأكله ذئب، قال: عفوًا، هذا اسم الذئب الذي لم ياكل يوسف.! ثم يقول لي: حتى هذا الإمام يعرفه وهو من اتباعه، وهو سيدعوك لأن تكونَ معنا سوف يخاطبك انت وعائلتك، وقبل ان ينهي خنزبُ كلامَه سمعتُ الإمام يقول: ابوبكر وعمر وعثمان وعلي.. قال لي خنزب: ألم أقل لك؟ أليست هذه عائلتك؟ قلت: بلى والله إنها لهي، يختتم الامام خطبته بالدعاء، والمصلون يؤمنون آمين بصوت منخفض، وعندما قال الإمام: (اللهم اقضِ الدينَ عن المدينين) هنا ارتفع صوتُ المصلين جميعهم وبصوت واحد وقوي (آآآآمين) فعرفت ما هو الشيء الذي يجمع بين هؤلاء المصلين، ولماذا هم مطأطئينَ رؤوسَهم.. إلتفتُ حولي فلم اجد خنزبَ، قال لي من كان يجلس بجواري، إنَّ صاحبَك غادر المسجدَ مع قراءة الإمام للمعوذتين، وعند قيامنا للصلاة، جاء أحدُ المصلين من الجنسية المصرية وسوس لي في أذني: عليكَ ان تتوضأ، يابن النيل، فقد نمتَ نومًا عميقًا، ينقضُ الوضوءَ.

 

4 فبراير 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى