مقالات الرأي

أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد  النبلاء السودان في العصر النبوي والراشدي و الأموي و العباسي (1)  

 

بسم الله توكلنا على الله ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله قررنا- يُوسُفُ و أنا- أن نبدأَ بزيارة سودان العصر النبوي والراشدي، قصدناهم في شجنٍ كثيف بالأشجار المتنوعة، و الأغصان الممتدة، والجذور المتشابكة، والطرق المتفرعة، إلتقينا فيه برجالٍ كأشجاره في اللون والعطاء، ويطلق العربُ الأخضرَ على اللونِ الأسود، وهذا من فصيح لغة العرب، قال شاعرُهم ( فهزمنا جمع ابن أمِّ قطام … وله فارسةٌ خضراء) سألني يوسف: هل فهمت شيئًا من هذه الأبيات؟ قلت له: إلى حدٍ ما، قال لي: لماذا استشهدتَ بها؟ قلت: لإثبات أن العربَ تُطْلقُ الأخضرَ على الأسود، ولعل بعضَ القراء يفهمونها، وبينما نحن نتحاور أتانا صوتٌ من داخل هذا الشجن، يرددُ ابياتًا من الشعر، و كأنه كان يستمعُ إلى حوارنا:

وأنا الأخضرُ من يعرفني … أخضر الجلدة في بيت العرب

من يساجلني يساجلْ ماجداً … يملأ الدلو إلى عقد الكرب..

إقتربنا منه ، ألقينا عليه تحيةَ الإسلام. نظر إلينا نظرةً سريعةً، ثم واصل في ترديد قصيدته، و بعدها رد علينا التحية. قلت له: أريدُ أن أتشرفَ بمعرفتك، قال لي: هل انت تفهم اللغة العربية؟ قلت له: بلى.. قال: أنت لا تفهما، لو كنتَ تفهما لعرفتَ من أنا من أبياتي، و لو كنتَ تفهم العربيةَ، لما اجبتني بحرف (بلى) لأن سؤالي ليس نافيًا، لو قلتُ لك: (أنت لاتعرف العربية؟) في هذه الحالة تقول لي: (بلى) لأن بلى حرف جواب وتختص بالنفي فتبطله، أما في حالة سؤالي هذا تكون الاجابة (نعم).. سخر مني يوسف، وقال شامتا فيَّ: إن لم تكن أسدًا في العزم ولا غزالًا في السبقِ فلا تتثعلب. ثم سألني هذا الرجل: أما سمعتنى قلتُ وأنا الأخضر من يعرفني … أخضر الجلدة في بيت العرب، قلت له: بلى سمعتك٠ قال الآن تعلمت، فاسأل ما شئت. قلتُ له: أنا لا أسأل، لكني أطلب، قال: فهمت قصدك، فبدأ يعرف بنفسه. قال: انا شاعرٌ، وحفيدُ أبي لهب واسمي فضل بن عباس. قلت له: جدُك ابو لهب كان ابيضَ اللون، كيف اكتسيت بهذا اللون الأسود؟ قال من جدتي الحبشية، أما اللهبي، فهو نسبةً الى جدي أبي لهب، وأنا نشأتُ في بيت بني هاشم، ولدتُ من أبَوَيْنِ هاشميين، ثم قال: أنا أول هاشميٍ مدح امويًا، وليَ أشعارٌ كثيرةٌ في المدح والذم والشجاعة والكرم وغيرها من مكارم الأخلاق، وإن شئتَ أسمعتُك بعضًا منها. قلت له: لي عظيم الشرف، فألقى علينا بعضًا من قصائده. وبعدها قال لي: إذهب إلى ابنِ حمامةَ قبل أن يدخل وقت الأذان وتعرف عليه..

بلال بن رباح

قلتُ ليوسفَ: من هو ابن حمامة؟ قال لي: أتسألني أنا؟ لماذا لم تسأل الأخضرَ اللهبي؟ كان ابنُ حمامةَ على بعد خطوات مننا، أسرعنا الخطى حتى وقفنا أمام رجلٍ أسودَ لونِ البشرة، كان يتوضأ ببطء وعلى مهله، ظننا أنه يتعمد ذلك كي نَمَلَ وننصرف. وبعد أن قضى الوضوءَ إتجه نحونا بوقارٍ وتمهلٍ وبادر بالسلام، فردينا عليه التحيةَ بمثلها. سألته بلطف: هل أنت إبن حمامة؟ ابتسم وقال: يبدو انكم قادمون من الأخضر الهبي، ثم قال: نعم أنا ابن(حمامة) و حمامةُ هي أمي واسم أبي رباح، قلنا له بصوت واحد كأننا لم نصدق: (أنت بلال بن رباح؟) قال: نعم، ولستُ أنا وحدي في الصحابة ممن يُنْسَبُونْ إلى أمهاتهم. سألته: من غيرُك من الصحابة منسوب الي امه؟ قال: على سبيل المثال، ابن مكتوم: مكتوم هي أمه واسم أبيه عمرو. و الحارث بن البرصاء: البرصاء هي أمه واسم أبيه مالك وشُرَحْبِيل بن حسنة: حسنة أمه، واسم أبيه عبد الله، وغيرهم كثير. ثم استطرد قائلا: هل سمعتما بمعاذ ومعوذ ابني عفراء، الغلامان اللذان اشتركا في قتل أبي جهل يوم بدر؟ عفراء امهما وأسم ابيهما الحارث… هو بلال بن رباح أبرز الأعلام السودان في التاريخ الإسلامي. كان عمرُ- رضي الله عنه- يقول: أبو بكر سيدُنا، وأعتقَ سيدَنا، يعني بلالًا. قرأتُ عليه هذا البيت من الشعر: (هنيئاً زادك الرحمن خيراً … فقد أدركت ثأرك يا بلال) ثم سألتُه عن قصة هذه الابيات، و عن قائلها. أجابني: قائلُ هذه الأبيات هو الصّدّيِقْ- رضي الله عنه- في غزوة بدر، عندما قتلتُ أميةَ بنَ الخلف، قلت: نعم نحن نعرف أنك من قتلَ اميةَ بن خلف، ولكن لا نعرف كيف حدث ذلك، وهذه فرصةٌ طيبةٌ أن نسمعَ منك تفاصيلَ قتلك لذلك المشرك الشقى.. تردد سيدنا بلال، ثم قال: القصةُ طويلة، لكني سأحاول ان اختصرها. يقول بلال- رضي الله عنه- بعد أن أعلنت إسلامي في مكةَ، أذاقني أميةُ بنُ الخلف مرَّ العذاب، وبقيتُ صابرًا متمسكًا بإسلامي.. و تمضي الأيام، وأهاجرُ إلى المدينةِ وخرجت مع المسلمين إلى غزوة بدر، ورأيتُ من بين جموع المشركين أميةَ ابنَ خلف، فهتفت : “لا نجوت إن نجا” فهجمتُ عليه هجومَ الأسد الجريح المنتقم، ويمكنني اللهُ منه فأقتله بيدي التي كان يوثقها، ويهتف المسلمون ببدر: ” أحدٌ أحد… إنفعل يوسف مع القصة، وقال: الله اكبر أحدٌ أحد

لسيدنا بلال مناقبُ عظيمةٌ مثل ترشيحه للتفاوض مع الروم في سنة 13 هجري، أثناء حصار قيسارية بفلسطين. في هذا التفاوض يمثل الإسلام رجلٌ أسود، كان مملوكًا بالأمس القريب، بينما يمثل الرومَ ابنُ ملكهم العظيم، ضاربا بذلك أروعَ الأمثلة، للمواجهة بين ثقافة الإسلام الصاعدة وثقافة الروم الآفلة.. قلت له: يا سيدنا بلال، إن الحديثَ معك ممتعٌ وشيقٌ ومفيد، ولا زلنا نطمع في المزيد، سمعنا انك خطبت لاخيك خالد بن رباح امرأة قرشيةً، وقلتَ لأهلها حديثًا أزعج اخاك خالدًا، لأنه كان يعتقد أن ما قلتَه سوف يكون سببًا في رفضه وعدم قبوله، ما هي القصة وما ذا قلت رحمك الله؟ قال بلال، رضي الله عنه: أفصح لي أخي خالدٌ عن رغبته في الزواج من امرأةٍ قرشيةٍ وطلب منى الذهاب معه لأهلها لخطبتها له، وافقت على طلبه وذهبت معه، وقلت لهم: نحن من قد عرفتم، كنا عبدَيْنِ، فأعتقنا الله، وكنا ضالَيْنِ، فهدانا الله، وكنا فقيرَيْن فأغنانا الله، وأنا أخطبُ إليكم على أخي فلانة، فإن تنكحونا فالحمد لله، وإن تردونا فالله أكبر.. فأقبلَ بعضُهم على بعض فقالوا: بلالٌ من قد عرفتم سابقته ومشاهده ومكانه من رسول الله، فوافقوا على قبول اخي خالد وزوجوه أبنتهم، فلما انصرفنا قال لي أخي خالد: يغفر الله لك! أما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله! فقلت : مه يا أخي! صدقت فأنكحك الصدق

بعد أن استمعنا من بلال رضى الله عنه هذه القصة قام للآذان، الله أكبر، الله أكبر، حتى ختمه بكلمة التوحيد مفتاح الجنة لااله الا الله ( اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمدا الفضيلة والوسيلة والدرجة العالية الرفيعة) ثم ودعناه، وقلنا له: نحن نبحث عن الصحابي اسامةَ بن زيد رضي الله عنه، قال: صلوا معنا و سيأتي لأداء الصلاة هنا ان شاء الله

أسامة بن زيد

بعد أن قُضِيَتْ الصلاةُ، دخلتُ في مغالطة مع يوسف، هل الشخص الذي يجلس على يمين بلال هذا هو أسامة أم لا، وبينما نحن نتغالط، رأينا بلالًا يتحدث معه همسًا ويشير إلينا ، إذً أصبح احتمالا كبيرًا أن يكون هو أسامة- رضي الله عنه- قام من عند بلال واتجه نحونا.. واثقُ الخطوة يمشي ملكًا، وقبل أن نقومَ لمقابلته، بادر هو بالقعود أمامنا ثم صافحنا مبتسما، قلنا له: جئنا لمقابلتك، قال: نعم، حدثني سيدنا بلال.. اعرفكم بنفسي: أنا أسامةُ بنُ زيدٍ بن الحارثة، ولدتُ في بيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في العام الرابع من بَعثة النبي، وتربيتُ في بيتِ النبي، حيث كان يعيش والدي”زيد بن حارثة” حِب رسول الله، وابنه بالتبني قبل الإسلام.. ووالدتي “أم أيمن” مربية النبي، لذلك عُرفتُ بالحُبُ، حُبُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومولاه و ابن مولاه، ويُقال لي الحُبُ بنُ الحُبِ.. قلتُ ليوسف: هذا يكفي، هل بعد هذا الحديثِ حديثٌ؟ لم يعر يوسفُ كلامي اهتمامًا، كان مذهولا وينظر إلى أسامةَ بتعجبٍ واندهاش، ويريد أن يعرفَ كلَ شيءٍ عن هذا الشاب الذي وُلد وتربى في بيت النبي، وأمه كانت مربيةَ الرسول. قال يوسف لأسامةَ، رضي الله عنه: أنت كنتَ قائدًا لجيش المسلمين في إحدى الغزوات، وكنتَ شابًا صغيرا، متى كان ذلك و كم كان عمرك، ولماذا كانت تلك السرية، و إلى أين كانت، و لماذا اختارك الرسولُ قائدًا لتلك السرية وفي الجيش كبار الصحابة؟ قلت ليوسف: واحدة واحدة، إلتفت يوسف تجاهي واضعًا سبباته على شفتيه، مع كلمة(هسس).. إعتدل أسامةُ في جِلْسَتِه، جالسًا على إليتيه ومربعًا رجليه، ثم شبك أصابع يديه ونظر إلى الأرض و فكرمليًا، ثم رفع رأسه تجاهنا متبسمًا وقال: من اين ابدأ؟ ثم قال كان ذلك في عام 11 هجري وكان عمري 18 عاما، في ذلك الوقت أمّرني الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- على جيشٍ يضمُ كبارَ الصحابة، على غزو الشام، أما لماذا اختارني الرسول من دون الصحابة، فإنَّ الرسولَ- صلى الله عليه وسلم- يعلم أنني مفطورٌ على حبِ الجهاد، ويعلم أنني أُحبُ الخروجَ إلى الغزو، وهو يعلم شجاعتي واقدامي (هذا ليس ثناءً مني على نفسى، لكن هذا ما كان يعلمه عني رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- وكان قد ردَّني في غزوة أحد لصغر سنى، وبعد أن اشتد عودي شاركت في الأحزاب، واشتركت مع والدي زيد في غزوة مؤتة. قلت له: ولكن قربك من الرسول وكل هذه المواقف البطولية لم تشفع لك عند الصحابة لقيادة الجيش، قال: نعم طعنوا في مؤهلاتي وفي مقدرتي، قلت له: هل الطعن جاء بسبب صغر سنك أم بسبب لونك، حيث إنك شديد السواد؟ إعترض يوسفُ على هذا السؤال حيث اتهمنى بأنني اقدح في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، قلت ليوسف: إن الصحابةَ بشرٌ وليسوا معصومين من الخطأ، ولكن يجب الإمساك عن ما بدر منهم لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا) وهذا الحديث دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بسوءٍ، وأنه يجب عليه أن يسكت عما وقع بينهم من خلاف، لأن ذكرهم بسوء وجرحهم يتضمن تكذيب الله تعالى في القرءان الذي زكاهم وأثنى عليهم بقوله: ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم) التوبة آية 100وقال سبحانه : (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركَّعا سجَّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود) سورة الفتح اية 29.. فهذا وصفُ الله لهم في كتابه، فلله درهم ما أعدلهم وما أحسنهم وأعظمهم فلا يبغضهم إلا منافق ولا يحبهم إلا مؤمن. قال لي أسامة: أحسنت، بارك الله فيك، رفع يوسف كفيه بجانبي راسه ثم باعدهما في إشارة لي مفادها ( دماغك كبرت ) لاحظ أسامة رضي الله عنه حركة يوسف هذه لكنه تغافل عنها ثم واصل- رضي الله عنه- قائلا: هذا الطعنُ و التشكيك في قيادتي للجيش كان قد بلغ الرسول- صلى الله عليه وسلم- فغضب غضبًا شديدًا، وكان في مرض الموت، وبالرغم من ذلك قام متحاملًا على نفسه وصعد المنبر فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميرى أسامة، فوالله لئن طعنتم في إمارتي أسامة، لقد طعنتم إمارتي أباه من قبل، وأيم الله إنه كان للإمارة لخليق، وإن ابنه من بعده لخليق بالإمارة.. كان يقول لي صلى الله عليه وسلم حين أزوره: (أغدو على بركة الله) ولكن توفي النبي قبل أن يتحرك الجيش، فأكمل الخليفةُ أبو بكر رضى الله عنه مسيرةَ الجيش بقيادتي وحققنا انتصارًا عظيمًا، وعدنا للمدينة المنورة حاملين الغنائم الكثيرة.. توفي أسامة بن زيد عام 54 هجري، رحمه الله رحمة واسعه.

هذا غيضٌ من فيض.. لم نغادر هذا الشجن، فما زال فيه الكثير المثير، فابقوا معنا، يُوسُف وأنا

4 فبراير 2025م

4 رمضان 1446هج

زر الذهاب إلى الأعلى