أعمدة الرأي

عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان يكتب ماذا هناك؟

 

شهد الأسبوع الجاري تداولاً مكثفاً لمعلومات غير رسمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزعم حدوث انفلات أمني واسع في محلية كرري، إلى جانب اتهامات موجهة للشرطة بالتقاعس عن أداء دورها، وهو الأمر الذي امتد ليشمل مدينة ود مدني وبعض المناطق الأخرى. إلا أن إفادات من مواطنين مقيمين في تلك المناطق أفادت باستقرار الأوضاع الأمنية، ما يثير التساؤلات حول مدى دقة هذه الادعاءات وسلامة مصادرها، خصوصاً في ظل التزامن اللافت لهذه الحملة الإعلامية، الذي يعيد إلى الأذهان الأساليب التي استخدمتها غرف المليشيا الإعلامية قبل اندلاع الحرب، عندما قامت بتضخيم الأحداث واختلاق أخبار غير صحيحة بهدف زعزعة الاستقرار وإضعاف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

 

إن تقييم الأوضاع الأمنية في أي منطقة يجب أن يستند إلى معايير موضوعية، تشمل تقارير الجهات المختصة، والإحصاءات الجنائية الرسمية، ومؤشرات الأداء الأمني. فالقانون يحدد الجهات المخولة بإصدار البيانات المتعلقة بالأمن العام، والتي تتمثل في وزارة الداخلية والشرطة، والأجهزة الأمنية. وفي هذا السياق، فإن نشر معلومات غير دقيقة عن الأوضاع الأمنية، خاصة عبر منصات غير رسمية، قد يشكل مخالفة قانونية إذا ثبتت نية التضليل أو الإضرار بالسلم المجتمعي، وفقاً للقوانين، التي تجرّم نشر الأخبار الكاذبة.

 

من الناحية الواقعية، فإن تصاعد معدلات الجريمة في بيئات ما بعد النزاعات يُعتبر أمراً متوقعاً نتيجة التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لمثل هذه الفترات. ومع ذلك، فإن أجهزة الشرطة تبذل جهوداً كبيرة في إعادة الانتشار بالمناطق المستردة، وتوفير الموارد البشرية واللوجستية اللازمة لدعم استقرار الأمن. وهذا يتسق مع المبادئ المعترف بها دولياً في إعادة بناء الأمن بعد النزاعات، والتي تؤكد أهمية استمرارية عمل أجهزة إنفاذ القانون وعدم إضعاف الثقة المجتمعية فيها.

 

لكن ما يلفت النظر هو أن هذه المزاعم الأمنية تأتي في سياق حملة إعلامية متزامنة تستند إلى نمط سبق أن استخدمته غرف المليشيا الإعلامية، عندما عملت على تضليل الرأي العام، إما عبر تهويل الأحداث الأمنية أو فبركة الأخبار لخلق حالة من الخوف والفوضى. من المهم إدراك أن مثل هذه الحملات لا تستهدف فقط إثارة القلق، بل تسعى أيضاً إلى تقويض دور المؤسسات الأمنية وإضعاف الروح المعنوية للمواطنين، ما يخدم أجندات محددة تهدف إلى إبقاء حالة عدم الاستقرار قائمة.

 

في ظل الانتشار الواسع للأخبار غير الموثوقة، يصبح من الضروري تعزيز دور الإعلام الشرطي في التصدي لموجات التضليل الإعلامي، عبر التفاعل السريع والشفاف مع المعلومات المغلوطة. ويتطلب ذلك اعتماد استراتيجية إعلامية متكاملة تشمل الإفصاح الاستباقي عن الوضع الأمني العام، والتعامل الفوري مع الشائعات عبر إصدار بيانات توضيحية تستند إلى الحقائق، وتعزيز التواصل المجتمعي من خلال قنوات الاتصال الرسمية، بما يحد من تأثير المعلومات المغلوطة.

 

ختامًا مع تزايد انتشار الأخبار غير الموثوقة حول الوضع الأمني، تبرز الحاجة إلى تعزيز المهنية والشفافية في تداول المعلومات، والتأكيد على أهمية الاعتماد على المصادر الرسمية. كما أن على الأجهزة الأمنية تطوير أدواتها الإعلامية لمواكبة تحديات العصر الرقمي، بحيث تكون قادرة على التصدي الفوري للشائعات، وتعزيز ثقة المواطنين في أداء المؤسسات الشرطية، بما يحقق الأمن والاستقرار في المرحلة الراهنة. علينا أن نبقى يقظين حتى لا نقع فريسة حملات إعلامية منظمة، والمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين.

 

عميد شرطة (م)

عمر محمد عثمان

 

٣ مارس ٢٠٢٥م

زر الذهاب إلى الأعلى