أعمدة الرأي

أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد يكتب النبلاء السودان في العصر النبوي و الراشدي و الأموي و العباسي(3)

 

(سودان العصر الأموي)

قلتُ ليوسفَ: جلبيب دُفنَ على يد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن معنا في هذا الشجن من ليس له قبرٌ في هذه الأرض!! قال يوسف: كيف؟ ومن أين تأتي بمثل هذه الغرائب؟ قلت له: دعنا نبحث عنه. قال يوسف، هذا سؤالٌ غريب، لو طرحته على أي إنسان سيتهمني بالجنون، قلتُ له: أفضل من نسأله في هذا الشجن هو جليبيب الانصاري، وكان لا يزال يقف بالقرب مننا ، فسألناه: من هو الصحابي الذي ليس له قبر في الأرض؟ رد جلبيب مباشرة: إنه عامرٌ بن فهيرة، من الصحابة السودان، تجدونه خلف تلكة الأيكة، استشهد في بئر معونة، فرآه الناسُ وقد رفعه اللهُ بين السماءِ والأرض فليس له قبر. قلت ليوسف: هل عرفت؟ قال ،سبحان المعبود! ولأن القائمة تطول بأسماء السود العظماء الذين كان لهم أثر كبير في عهد الإسلام الأول ولأن المقال لا يسع سوف اسرد لكم على سبيل المثال لا الحصر بعض من أسماءهم

وهم على سبيل المثال لا الحصر:

أيمن بن عبيد الحبشي.. سالم مولى حذيفة.. نفيع بن مسروح.. الحبشي.. أسلم الأسود.. يسار الاسود.. شقران الحبشي.. وغيرهم..

غادرنا هذا الشجن إلى شجنِ العصر الأموي الذي لا يبعد كثيرًا عن شجن العهد الراشدي. وأثناء وداعنا لهم- وفي الطريق- كلما التقينا بفردٍ منهم أو مجموعة، قلنا لهم: مع السلامة، فيردون علينا: في امان الله، رافقتكم السلامة، إلى لقاء.

وصلنا بالسلامة إلى شجنِ العهدِ الأموي، لكن اين المدخل وكيف ندخل، سيما وأنه تبدو على هذا الشجن بعضُ مظاهر الترف والأتيكيت؟ وجدنا على المدخل حراسًا، وهذا شيءٌ جديد لم نشهده في شجنِ العهد النبوي والراشدي الذي كنا فيه قبل ساعات، تلطفنا إلى الحارس إن كان بامكاننا الدخول. نظر الحارسُ إلينا نظرةَ تفحصٍ، ثم سألنا: من أي السودان انتما؟ من سودان الحجاز أم من سودان العراق؟ ترددنا في الإجابة، ولكنه لم ينتظر منا الإجابةَ قال: أُتركا سلاحيكما عند خازن السلاح، ثم ادخلا، قلنا له نحن لا نحمل اسلحة! قال (مندهشًا): كيف للرجل أن يمشي من غير سلاح؟ قلنا له نحن لسنا في حالة حرب، قال لو لم تكونا أنتما في حالة حرب، فإن غيرَكما في حالة حرب معكما، ثم ماذا لو اعتدى عليكما معتد، كيف تدافعان عن نفسكما؟ ثم قال: من اين قدمتما؟ قلنا له من شجن عهد الإسلام، قال من شجن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لو قلتما لي ذلك من أول قدومكما لما اعترضتكما ولا تكلمتُ معكما، تفضلا بالدخول

ثم قال لنا: هل تقصدان شخصًا معينًا أو جهةً معينةً؟ قلنا له: لا.. قال هذا مسجد أبو سعيد، تجدانه هناك، قلنا له: ومن ابو سعيد هذا؟ قال: هو رجلٌ من بني جلدتكما، صالحٌ زاهدٌ عالم، وسوف تعرفانِ عنه الكثير، إذهبا له قبل أن يغادرَ..

دخلنا المسجد، وفي وسطه خلقٌ كثير مجتمعين حول شيخ وقور.. سألنا: من هذا؟ قالوا لنا إنه الحسنُ البصري، قلنا بصوت واحد يوسف وانا (الحسن البصري!؟) قال لي يوسف: ولكن هذا الشيخ لا يبدو عليه أنه اسودَ اللون! قلت: دعنا نرى.. إنتظرنا حتى انتهى هو من الدرس وانفض الناسُ، أشار إلينا بالاقتراب منه. بدأنا بتحيةِ الإسلام، فرد علينا بأحسنَ منها، ثم قال: أراكما ترددتما في القدوم عليَّ، ما السبب؟ قلت له : بصراحة يا شيخنا دخلنا الشكُ في أن تكون انت الحسن البصري، قال: ولماذا؟ قلنا: لأننا سمعنا ان الحسن البصري أسمرُ الوجه، ونرى الآن عليك هالةً من النور والبهاء، فما هذا النور العجيب؟ فقال: نحنُ قومُ خَلونا باللهِ في ظُلماتِ الليل فكسانا من جمالهِ وجلالهِ، ثم قال: بسم الله والصلاة والسلام علي رسول الله أنا الحسن” يسار البصري، وُلدت لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- بالمدينة، وعشتُ بالبصرة وسكنتها.

قلت: يا أبا سعيد، لك موقفٌ مع الحجاج بن يوسف الثقفي، نريد أن نسمعَ منك ما الذي جرى بينكما، وما هو السبب وكيف انتهت القصة؟

قال: لما دخلتُ على الحجاج بمدينة (واسط)في قصره

قاطعته انا قائلا له: عفوًا، لماذا ذهبتَ للحجاج ودخلت قصره

قال: عندما استتب للحجاج أمرُ العراق، أقام لنفسه قصرًا مشيدًا وبيتًا في مدينة واسط الواقعة بين البصرة والكوفة، وعندما انتهى من بنائه، طلب من الناس الخروج لرؤيته ومشاهدته عن كثب، ووصف جماله وبهرجته وروعته، فلما وصلنىي الخبر، وجدتُ أنَّ هذا التجمعَ يُعد فرصةً مواتيةً لإحقاق الحق ودعوة الناس إلى الخير، فقلت للحجاج: فقد رَأينَا، يَا عَدو الله، مَا صنعت، فَمَاذَا يَا أفسق الفسقة، وَيَا أفجر الفجرة، أما أهل السَّمَاء فلعنوك، وَأما أهل الأَرْض فمقتو. ثمَّ خرجت وأنا أقول: إِنَّمَا أَخذ الله الْمِيثَاق على الْعلمَاء، ليبيننه للنَّاس، وَلَا يكتمونه فاغتاظ الْحجَّاج غيظا شَدِيدا، ثمَّ قَالَ: يَا أهل الشَّام، هَذَا عبيد أهل الْبَصْرَة يَشْتمنِي فِي وَجْهي فَلَا يُنكر عَلَيْهِ أحد، عليَّ بِهِ، وَالله لأقتلنه، ثم قال فأحضروني اليه.. هنا قال يوسف قولته المشهورة: (يا ستار أستر). واصل الحسن البصري حديثه قائلا: فَلَمَّا دخلتُ على الْحجَّاج، رأيت السَّيْف والنطع( والنَّطَعُ : بِسَاطٌ من الجلد، كثيراً ما كان يُقتَلُ فوقَه المحكومُ عليه بالقتل) بَين يَدَيْهِ وَهُوَ متغيظ، فَلَمَّا رآني الحجاج كَلمني بِكَلَام غليظ، أما انا رفقت به ولحاله ووعظته ثم رأيتُ أنه هابنى أشد الهيبة وقال لي: هاهنا يا ابا سعيد، تعال اجلس هنا، فما زال يوسع لي ويقول ها هنا، والناس لا يصدقون ما يرون، حتى أجلسني الحجاج على فراشه ووضعني جنبه، ولما أخذت مجلسي التفتَ اليَّ وجعل يسألني عن بعض أمور الدين، وأنا أُجيبه عن كل مسألة، فقال لي: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد، ثم دعا بغالية (نوع من أنواع الطيب) وطيب لحيتي وودعني وعندما خرجت، تبعنى يزيد بن أبي مسلم قلت: من يزيد هذا؟ قال: هو كاتبُ الحجاج ومشيره.. فقال لي يا أبا سعيد لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك، دعاك ليقتلك والذي حدث أنه أكرمك، وأني رأيتُك عندما أقبلتَ ورأيتَ السيف والنطع قد حركت شفتيك، فماذا قلت؟ قال: لقد قلت: “يا ولي نعمتي وملاذي عند كربتي، إجعل نقمته بردًا وسلامًا عليَّ، كما جعلتَ النار بردًا وسلامًا على إبراهيم. قال له يوسف: سبحان المعبود والحمد لله على سلامتك! ثم سأله: قل لنا يا أبا سعيد، هذا الدعاء خاص بك، أم لكل من دعا به؟ قال: هو لكل من يدعو به، حتى دعوةَ يونس عليه السلام قال صلى الله عليه وسلم دعوة ذي النون إذ دعا – وهو في بطن الحوت- (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فإنه لم يدعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قط، إلا استجاب اللهُ له..

والله أعلى واعلم..

18 مارس 2025م

18 رمضان 1446هج

زر الذهاب إلى الأعلى