أعمدة الرأي

أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد  يكتب النبلاء السودان في العصر النبوي و الراشدي و الأموي و العباسي (5)

 

كنا- يوسف وانا- في مجلسِ التابعي الدنقلاوي يزيد بن أبي حبيب، وبينما نحن في مجلسه- مع ابن اخته، وقبل ان يعودَ إلينا الشيخ يزيد بن حبيب- دخل رجلٌ من السودان ممشوقُ القامة، جادُ ملامح الوجه، ألقى علينا تحيةَ الإسلام، ثم واصل مسيره الى الداخل، وقبل ان نسألَ الشاب، سألنا هو: هل عرفتم من هذا ؟ قال يوسف: لا، وقلتُ: لا. قال: هذا صاحبُ أعظم حوارٍ في التاريخ، هذا من قتله الحجاج. قلتُ له: الحجاج قتل ما يزيد عن 120 ألفًا، عدا الذين قُتلوا في الحروب والسجون.. ومنهم عدد من كبار الصحابة، قال يوسف عبارته المشهورة: (يا ستار استر!!) قال لنا الشاب: هذا من كبار التابعين الذين قتلهم الحجاج، إنه شخصية إسلامية عظيمة، إنه من التابعين السودان إنه..

*سعيد بن جبير*

كان عالمًا شامخًا وإمامًا تقيًا وقارئًا ومفسرًا ونجمًا لامعًا ومفخرةً من مفاخرِ التاريخ الإسلامي. سألتُ الشاب: ما هو السر في هذا التفوق وهذا التمييز؟ أجاب: لأنه درسَ العلمَ عن عبد الله بن عباس، حبر الأمة، وعن السيدة عائشة أم المؤمنين. قال يوسف: لقد شوقتنا بقولك لنا إنَّ هذا صاحبَ أعظمِ حوارٍ في التاريخ، ما هو الحوار؟ ومن هو المُحاوِر؟ أجاب الشاب : الحِوارُ كان بينه وبين الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي أمر ان يُساقَ إليه سعيدٌ مقيدًا لقتله. يوسف يسأل: ولكن لماذا؟ الشاب: يقول البعض إنَّ سعيدًا خرج على الحجاج، ويقول سعيدٌ: والله ما خرجتُ عليه حتى كفر، و أنا أقول: وعند الله تجتمع الخصوم.. يقول الشاب: نعم، صحيح(مؤكدا كلامي).. ثم يواصل قائلًا: على كل حال أمرَ الحجاجُ ان يُساقَ اليه سعيدٌ بن جبير مقيدًا، وعندما وصل إليه، أمر الحجاجُ بذبحه، مدعيًا أنَّ سعيدًا عدوٌ لله ودينه، وقبل تنفيذ حكم القتل، دارت بين الحجاج وسعيدٍ محاورةٌ طويلةٌ..

الحجاج: ما اسمك؟

سعيد: سعيد بن جبير..

الحجاج: بل أنت شقيٌ بن كسير..

سعيد: بل أمي كانت أعلم باسمي منك

الحجاج: شقيتَ أنت، وشقيتْ أمُك

سعيد: الغيبُ يعلمه غيرُك..

الحجاج: لأبدلنَّك بالدنيا نارًا تلظى..

سعيد: لو علمتُ أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهًا.. الحجاج: فما قولك في محمد؟

سعيد: نبيُ الرحمة، وإمامُ الهدى..

الحجاج: فما قولك في علي بن أبي طالب، أهو في الجنة أم في النار؟

سعيد: لو دخلتُها، فرأيتُ أهلَها، لعرفت..

الحجاج: فما قولك في الخلفاء؟

سعيد: لستُ عليهم بوكيل..

الحجاج: فأيهم أعجب إليك؟

سعيد: أرضاهم لخالقي.. الحجاج: فأيهم أرضى للخالق؟

سعيد: علمُ ذلك عنده..

الحجاج: أبيتَ أن تَصْدُقَنِي؟

سعيد: إني لم أحب أن أكذبك..

الحجاج: فما بالك لم تضحك؟

سعيد: لم تستوِ القلوبُ، وكيف يضحك مخلوقٌ خُلِقَ من طينٍ، والطينُ تأكله النار؟

الحجاج: ويلك يا سعيد!!

سعيد: الويلُ لمن زُحْزِحَ عن الجنةِ وأُدْخَلَ النار..

الحجاج: أيُ قتلةٍ تريد أن أقتلك؟

سعيد: إختر لنفسك يا حجاج، فوالله ما تقتلني قتلةً، إلا قتلتك مائة قتلة في الآخرة..

الحجاج: أتريد أن أعفوَ عنك؟

سعيد: إن كان العفوُ، فمن الله، وأما أنت، فلا براءةَ لك ولا عُذر..

الحجاج: إذهبوا به فاقتلوه. فلما خرجوا ليقتلوه، بكى إبنُه لما رآه في هذا الموقف، فنظر إليه سعيدٌ، وقال له: ما يبكيك؟ ما بقاءُ أبيك بعد سبعٍ وخمسين سنة؟ وبكى أيضًا صديقٌ له، فقال له سعيد: ما يبكيك؟ قال الرجل، أبكي لما اصابك،

قال سعيد: فلا تبكِ، كان في علم الله أن يكونَ هذا، ثم تلا: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد:22] ثم ضحك سعيدٌ، فتعجب الناسُ وأخبروا الحجاج، فأمر بردِّه، فسأله الحجاج: ما أضحكك؟ سعيد: عجبت من جرأتِكَ على الله، وحلمه عنك..

الحجاج: أُقتلوه. سعيد: {وجهت وجهيَ للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين} [الأنعام: 79] الحجاج: وجّهوه لغير القبلة. سعيد: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة:115]. الحجاج: كُبُّوه على وجهِه. سعيد: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى الحجاج: إذبحوه.. سعيد: أما أنا فأشهد ألّا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريك له وأن محمدًا عبدُه ورسوله، خذها مني يا حجاج حتى تلقاني بها يوم القيامة، ثم دعا سعيد ربه فقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي. قُتلَ في 95 هجري ومات الحجاج بعده بأسبوعين.

يقال إنَّ سعيدًا بن جبير ذُبح من القفا، وقد استجاب الله دعاءَه، فقد إلتبس الحجاجُ في عقله ودبّ المرضُ في جسده وجعل ينادي: “مالي ولسعيد” ! ولم يزل الحجاجُ بعدَ قتله لسعيدٍ، فزِعًا مرعوبًا حتى مُنع من النوم، وكان كلما نامَ رآه آخذًا بمجامع ثوبه يقول: “يا عدو الله فيم قتلتني؟ فيستيقظ الحجاجُ مذعورًا، ويقول: مالي ولابن جبير.

انتهت حكاية الحاج مع سعيد بن جبير.. ولكن هناك سؤالٌ: أليس للحجاج بن يوسف حسنات؟ هل كلُ تاريخه وحياته ظلمٌ وقتل؟ أقولُ: لا، لا بد ان تكونَ له مناقبُ ومواقف إيجابية، على سبيل المثال: الحجاج بن يوسف الثقفي كان من اعلمِ اهل زمانه بالقرآن، و من أكثرهم ذكاءً و فطنه.. الحجاج قضى على فتنِ الذين استحلوا دماءَ المسلمين و استفتوا في دم البعوضة، و كان من بينهم الكثير ممن يزعمون أنهم علماء و خطباء و اتقياء. الحجاج فتح السند و الهند، و كل هؤﻻء أسلموا بفضل الله، ثم بفضل شهامة و مروءة الحجاج و نصرته ﻻمرأةٍ مسلمةٍ اختطفها القراصنةُ الهنود في عرض البحر، فاستغاثت بالحجاج، فحرَّك الحجاجُ الأسطولَ و جيشًا بريًا و اقتحم مملكةَ الهند و قتل ملكَها و اطلق سراحَ الأسيرةِ المسلمة، و دخل اهلُ الهند و السند الإسلام. و التاريخُ لا يذكر ذلك، سهوًا ام عمدًا، لا أدري..

والله أعلى أعلم..

15 أبريل 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى