أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد يكتب ترهيب ولا ترغيب!!

كانت امرأةٌ تصلي خلف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حسناءُ، من أحسن الناس! ثم ماذا؟ ثم كان بعضُ المصلين يتقدمون الصفوف حتى يكونون في الصف الأول! لماذا؟ تفاديًا لرؤيتها كي لا تُشغلهم هذه الحسناء عن الخشوع!! ثم ماذا؟ ثم كان بعضُ المصلين يتأخرُ حتى يكونَ في الصف الأخير!! لماذ؟ رغبةً في رؤيتها، وذلك عندما يركعُ أحدُهم ينظر من تحتِ إبطه ليراها!! إنتهت القصة.. لكنى أراك تتعجب من هذا الموقف، لك الحق، فأنا أيضًا أثناء كتابتي لهذه الواقعة قد وضعتُ عدةَ علامات تعجب.. نحن لم نُنشأ على مثلِ هذه الصراحة وهذا الوضوح، الذي يخاطب النفسَ البشريةَ بكل شفافية. أما الذي يتكلمُ عن النفسِ البشرية في هذا الموقف هو عزَّ وجل- صانعها- وهو أدرى بها وما تشعر به وما تحتاجه وما تُكِنُه، يخاطب النفسَ البشريةَ بأسلوب قرآني راقي مؤدب، ذلك لأنَّ الإسلامَ قد جاء لتهذيب الإنسان وتثقيفه. أجزمُ أنَّ معظمَنا لم يسمع هذه القصة من قبل، أليس كذلك؟ إذًا الأمر يحتاج إلى دليل، فالامرُ أمرُ دين. إذا كنت تريد الدليلَ القاطع، ومن القرآن، فاقرأ تفسير الآية رقم 24 من سورة الحِجر في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} هل سمعتم يومًا، أو رأيتم واعظًا أو داعيًا إعتلى المنبر، ليقول أو ليشرح او يتطرقَ لهذه الاية؟ أو أي آية غيرها من آيات (الترغيب؟) كم مرة سمعتَ نصوصَ واحاديثَ (الترهيب؟) يكاد كلنا يحفظ حديثَ (لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة) ومن منا لم يسمع بحديث (ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار) كل هذه أحاديث صحيحة، نقرُ بها ونؤمنُ بصحتها، وإن كنا لا نعمل بها فاننا نستغفر الله ونتوبُ إليه و نسألُ اللهَ أن يعيننا على ذكره شكره وحسن عبادته. قال صلى الله عليه وسلم (يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا) متفق عليه. فلماذا نعمل ببعض هذا الحديث ونترك بعضَه؟ (نُعَسِّر ونُنَفِّر ولا نُيَسِّر ولانُبَشِّر).. أعلمُ أن ما قلتُه أعلاه قد يضعه بعضُ من لا يفهم على غير موضعه، فيظن أنني أُقلل من شأن العلماء، ومنهم من يظن أنني أتطاول عليهم، والعياذُ بالله، كيف وهم ورَثةُ الأنبياء والمُبلِّغون عن رب العالمين إلى أن يرث الله الأرضَ ومن عليها؟ وعلينا أن نُجلَّهم ونحترمهم لمكانتهم عند ربهم، فلا نغتابهم، ولا نقلِّل من شأنهم، ولا نتطاول عليهم، بل ندافعُ عنهم ونرد غيبتهم، وإذا جادلناهم جادلناهم بالحُسنى والتزمنا الأدبَ معهم، فهؤلاء (لحومهم مسمومة) والقران يؤكد وجودهم في مواضعَ كثيرةٍ، قال تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَـهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَـهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران: 18
قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [فاطر: 28] والايات كثيرة في ذلك.
ولكن ثم ولكن، هناك جملةٌ من الحديث النبوي الصحيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) فكثير من الوعاظ والعلماء، بلغ الغلوُ بهم أن نسوا، أو تناسوا الترغيب، ثم اتهموا كلَ المجتمع بالبدع. وقد أجاد العلامةُ الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد في نصحهم والتحذير من منهجهم في كتابه “رفقا أهل السنة بأهل السنة” نسأل الله تعالى السلامة من الغلو كله” إنتهى… الحمد لله الذي جعلنا من أمة التوحيد، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] لا بد من علم، وتصديق، وبصيرة، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، هذا معنى لا إله إلا الله
تأمل في نبات الأرض وانظر * * * إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات * * * وأزهار كما الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات * * * بأن الله ليس له شريك
وقال آخر
فيَا عَجَباً كيف يُعْصَى الإلهُ * * * أم كيف يَجْحَدُه الجاحدُ
وللهِ في كل تحريكةٍ * * * وتسكينةٍ أبداً شاهدُ
وفي كُلِّ شَيءٍ له آيةٌ * * * تَدُلُّ على أنَّه واحِدُ
وقال أعرابي: البعرةُ تدلُ على البعير، والأثرُ يدل على المسير، فسماءٌ ذات أبراج وأرضٌ ذاتُ فِجاج، وبحارٌ ذاتُ أمواج، ألا تدل على العليمِ اللطيفِ الخبير؟
فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.. النحل 43
والله أعلى وأعلم..
29 أبريل 2025م


