ثقافة قانونية(191) د. عبدالرحيم حاج الأمين يكتب الذكاء الإجرامي وجرائم الاحتيال! حين يتحول العقل إلى أداة للغواية!؟

مقدمة:- العقل بين البناء والهدم مابين الاستخدام الإيجابي والسلبي..
يشكل الاحتيال المالي، “financial fraud”.
نموذجًا فريدًا لما يُعرف في الفقه الجنائي بـ”الجرائم الناعمة”، تلك التي لا تُستخدم فيها القوة الجسدية، بل تتبلور فيها قدرة العقل البشري على التخطيط والخداع والإقناع لتحقيق مكاسب غير مشروعة. إنه نوع من الجرائم التي تُظهر شغفًا ذهنيًا مشوَّهًا، يستثمر الذكاء والقدرة على التحليل النفسي والتلاعب الاجتماعي، ولكن في الاتجاه المعاكس لما شرّعه العقل في الأصل الي الخير، العدل، والحق.
إننا أمام جريمة لا يُسفك فيها دم، لكنها تُنزف فيها الثقة. جريمة قد لا تصرخ ضحاياها فورًا، لكنها تتركهم في دوامة من الخسارة والانكسار.
في القانون السوداني، يُعرّف الاحتيال بأنه استخدام وسائل احتيالية أو وعود كاذبة أو انتحال صفة كاذبة للحصول على مال الغير أو حقه أو أي ميزة غير مستحقة. وتُعاقب عليه المادة (178) من القانون الجنائي لسنة 1991، ويعتبر من الجرائم الماسة بالمال والثقة، ويُصنف كجريمة عمدية ذات طابع فكري/ذهني.
_سمات الجريمة الناعمة_ !
1.الهدوء والمخاتلة:- غالبًا ما تُرتكب هذه الجرائم دون استخدام عنف أو تهديد، مما يجعل اكتشافها أصعب.
2.الاعتماد على الذكاء الاجتماعي:- المحتال يتقن قراءة الضحية، يعرف دوافعها، ويصمم خدعته بناء على طموحاتها أو مخاوفها.
3.تعدد الأساليب:- تتنوع بين النصب المالي، الاحتيال الإلكتروني، الاحتيال العقاري، وحتى الاحتيال العاطفي.
4.الضحايا المختارون بدقة:- الضحية ليست عشوائية؛ بل مختارة بعناية لتتناسب مع الخدعة المعدّة.
نماذج من الواقع السوداني والحديث في الاحتيال
احتيال المنصات الرقمية: مثل قضايا الاحتيال في منصات تبادل العملات الرقمية (كما في قضية منصة “2139 Exchange”)، التي جذبت آلاف السودانيين بوعود الربح السريع، ليتبيّن لاحقًا أنها مخطط احتيالي منظم.
هنالك احتيال التوظيف والهجرة، حيث يقع الكثير من الشباب ضحية وعود وهمية بالحصول على وظائف في الخليج أو أوروبا مقابل دفع مبالغ “رسوم تسجيل”.
الاحتيال عبر الهواتف والتطبيقات، ينتحل الجاني صفة موظف مصرفي أو جهة أمنية لتحصيل بيانات الضحية وسرقة أموالها.
الذكاء الإجرامي: قدرة مهدورة
إن المحتالين، في واقع الأمر، أشخاص يمتلكون قدرات عقلية عالية، ويجيدون التحليل، الإقناع، والتخطيط، ولكنهم يستخدمونها في هدم الثقة وتدمير العلاقات الاقتصادية والاجتماعية. وهو ما يدعو للتفكير: ماذا لو استُثمرت هذه القدرات في مجال قانوني أو تنموي مشروع؟
خاتمة! الحاجة إلى يقظة عقلية وقانونية
لا يكفي أن نُدين المحتال، بل لا بد أن نحصّن المجتمع ونعلم أفراده كيف يحذرون من الذكاء المضلِّل، فالعقل يمكن أن يكون نورًا يهدي… أو ظلامًا يغوي. وبين هذا وذاك، يقف القانون كحارسٍ للعدالة، والوعي كدرعٍ للمواطن.
قد يقع الاحتيال على البسطاء، اما ذروته عندما يقع الاحتيال على الناصحين هنا قد يكون المخدوع محتالاً غير مباشر… يقولون ان اي عقد واتفاق لايسنده المنطق والوجدان السليم فالأول محتال ام المخدوع فهو أكثر احتيالاً! فمن يصدق الحصول على أرباح أمواله بقيمة 2% يوميآ، تلك هذه نصبة منصة Exchnage 2139.
سوف نتطرق في هذه المقالات اللاحقة جرائم احتيالية لافته واخريات ارتبط فيها الاحتيال بالدجل والشعوذة….
د. عبدالرحيم حاج الأمين
القاهرة 30/ أبريل/ 2025


