أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد يكتب النبلاء السودان في العصر النبوي و الراشدي و الأموي و العباسي(7)

قلتُ ليوسفَ: إن شجنَ العهد العباسي مكتظٌ بالناس، فيه عجمٌ و أعاجمُ، وفيه عربٌ واعرابُ.. قاطعني يوسفُ قائلًا: لحظةً من فضلك واحدة واحدة، ما الفرق بين عجم وأعاجم وعرب واعراب ؟ أم انك تحب ان تطيلَ الكلام؟ قلت: الأعجمي هو الذي لا يفصح، وإن كان نازلًا في البادية ولطالما في لسانه عجمة فهو أعجمي (لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)النحل 103.. إن لسانَ الذي تميلون إليه بأنه يُعلّمْ محمدًا أعجميّ، وذلك أنهم فيما ذُكر، كانوا يزعُمونَ أن الذي يعلِّم محمدًا هذا القرآن عبد روميّ. إنتهى.. أما العجمي، فهو الإنسانُ الذي أصله من العجم، فمهما كان فصيحًا ولسانه طلق وليس فيه عجمة، فهو عجمي. هل عرفت الفرق بين الأعجمي والعجمي؟ أما الأعرابي، فهو البدوي وإن كان بالحضر، وأما العربي، فهو المنسوبُ إلى العرب، وإن لم يكن بدويا.. قال يوسف: من أين تأتي بمثل هذه المعلومات؟ قلتُ: من كتاب (أدب الكاتب) لابن قتيبة الدينوري المتوفى عام889 ميلادي.
على كل حال لا تقلق يا صديقى يوسف، فإن شجن العهد العباسي شجنٌ واسع ومتشعب ومتنوع، كما أنه سهل الدخول إليه، ولكن صعب اختيار ما نريد ، لكثرة الناس فيه وانتشارهم واختلاطهم.. فلندخله على بركة الله.
بسم الله توكلنا على الله لاحول ولا قوة الا بالله. دخلنا شجن العهد العباسي، ألقينا تحيةَ الإسلام على أول من قابلنا: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) ردها قائـــلا ( واليكم سلام ورهمة الله وتآلا وبركاته) قال يوسف: هذا أعجمي، تطوع آخر، ألقى علينا تحية الإسلام بلغة عربية فصحى، ثم قال لنا: يبدو عليكما آثار الظعن، قال لي يوسف همسًا: الظعن!؟ قلت له: (هس) أسكت، يعني السفر. ثم سألنى هذا الرجل: أتقرأ اللغةَ العربية، أم الفارسية؟ قلت: العربية، قال: إقرأ تلك اللافتة. قلت: مكتوبٌ فيها فرج الحجَّام، وماله فرج الحجام؟ قال: هو حجَّامٌ وحلَّاق إذهبا إليه يزيل عنكما آثار السفر و يدلكم على مرادكم. دخلنا محل فرج الحجام، ولم نصدق أن هذا مكان للحلاقة والحجامة، ففي منتهى النظافة والترتيب وتناسق الالوان، عند دخولك مباشرة تشم رائحةَ العسل الطازج، وتفوح منه رائحةُ الفواكه، تحسُ داخله بالراحةِ والمتعة والشعور بالطمأنينة، إنه ليس مجرد محل حجامة. من شدة التعب، ولأريحية المكان جلسنا قبل أن يُؤذن لنا.. جاء من خلف الستارة شابٌ واضح أنه من السودان، مهندمٌ ظريف مبتسم، كأنه يعرفنا ونعرفه منذ سنين، فقال: أهلًا وسهلا، المحل محلكم، قلنا له: نحن قادمون من شجن بني امية وكما ترى علينا آثار السفر والتعب، نريد أن نرتاح ونتزين وإن كان في الحال سعة لا بأس من الحجامة، إبتسم وقال: أول شيء أُحذركم تحذيرا شديدا أن تكرروا مرة ثانية كلمة بني أمية هنا في هذا الشجن، ولو سمع العباسيون هذه الكلمة وعلموا أنكم قادمون من الأمويين، فسوف يعيدوكم فورًا ولكن داخل توابيت، ألا تعلمون ما وقع بين الأمويين والعباسيين من ضغائنِ مقاتل وصلت إلى حد نبش القبور والتمثيل بالجثامين وما تبقى من عظام الموتى؟ هنا نطق يوسف عبارته المعهودة: ( يا ستار أستر) ثم وجه لفرج الحجام سؤالًا مباشرًا: ولكن لماذا هذه الدماء بين الأمويين والعباسيين، وهم أبناء عمومة؟ قال فرج: لأنهم أبناء عمومة، ثم قال: تقول بعض الروايات الشعبيَّة إن هاشم بن عبد مناف (الجد الأكبر للنبي محمد) وهو جد العباسيين وعبد شمس بن عبد مناف، وهو جد الأمويين، كانا توأمان ملتصقان حيث كانت ساق هاشم متصلة برأس عبد شمس، وقيل إنهم جاهدوا في بطن أمهم كل واحد منهم يسعى إلى التفوق على الآخر، تقول الأسطورة إنَّ والدَهم عبدَ مناف بن قصي فصل أبناءه الملتصقين بالسيف وأن بعض الكهنة اعتقدوا أن الدماء التي سالت بينهم تعني حروباً بين ذريتهم. ورأى المنجمون في الجزيرة العربية أن عبد مناف قد ارتكب خطأ فادحًا عندما فصل أبناءه بالسيف، لم يعتبروا عمله فأل خير.. ولكنها تبقى روايات غير مؤكدة لا يُمكن تأكيدها ولا نفيها. هنا نطق يوسف عبارته التي لم نسمعها منذ فترة طويل وهي مقولته: ( سبحان المعبود) قلت للحجام: إذًا نقول من أين نحن قادمون؟ قال : قولوا إنكم قادمون من العهد النبوي والراشدي،، قلت له: جزاك الله خيرًا، ثم ماذا، هل من وصية أو وصايا أخر؟ قال قبل ان تسأل اي انسان- رجل كان أم امرأة- إساله اولا: هل هو حر أم مملوك، لأن هنا الرقيق الأبيض منتشر بكثرة، بعض منهم تم عتقه ولكن أكثرهم لا زال مملوكًا، والذي يتم عتقه، يذوب في المجتمع فلا تعرف إن كان هو حر او مملوك إلا بسؤالك له. قلت له: أليس في هذا السؤال حرجٌ؟ قال: أيُ حرج؟ المملوكون هنا فيهم قادةُ جيوش وكتَّاب ومؤرخين وعلماء وفلاسفة، الأمر طبيعي. سألتُه: أنت حرٌ أم مملوك؟ (إرتبك يوسف من هذا السؤال، وانتظر ردة الفعل العنيفة من الحجام ) فقال الحجام، ودونما أي شعور بالحرج من السؤال: أنا اسمي فرج الحجام، كنت مولى للأمير العباسي والي البصرة، وكنتُ أصلح له شاربه ولحيته، ثم أعتقني.. إستلقى يوسفُ على الكرسي باسطًا رجليه إلى الأمام ولسانُ حاله يقول: الآن آن لي أن استرخي.. يواصل فرج الحجام حديثه قائلًا: ذات مرة أُعجبَ بيَ الأمير أيما أعجاب فقال: (والله لامتحننه، فإن كان هو الذي فيه من عقلٍ لا يَنْتُه، وإن كان كالطبيعة والخلقة لأحمدنَّ اللهَ على ذلك)
فأجرى الأميرُ معيَ هذا الحوار:
ما اسمك يا غلام؟
قلت : فرج
قال: فما كنيتك؟
قلت : لا أكتني بحضرة الأمير..
قال: فهل تحتجم؟
قلت: نعم
قال :متى؟
قلت: عند سكونه ( يقصد الدم)
قال: وهل تعرف وقتَ سكونه؟
قلت: في أكثر ذلك.
قال: فأي شيء تأكل عند الحجامة؟
قلت : أما في الصيف ( في سكباجة) *السكباج هو وجبة تتكون من اللحم والخل المُبهر بالتوابل، وتُسمّى القطعة الواحدة منه السكباجة محمصة عذبة. وأما في الشتاء (ديجراجة) خائرة حلوة، فأعتقني وزوجني ووهب لي مالًا..
سألنى يوسف: ما دور هذا الحجام وما أثره في الحضارة الاسلامية؟ قلت له: ولكن ورد ذكره من أعلام أو طبقات السودان مما يدل على أنه لعب دورًا في حياة الأمراء والناس ثم قال لي يوسف: هذا الحجام عندما صلى بنا المغرب قرأ بطريقة متقنة ومميزة كأنه قارئ محترف، قلتُ: دعنا نساله: يا شيخ فرج، ما هذه القراءة التي سمعناها منك في صلاة المغرب؟ قال: هذه قراءةُ صديقي نافع.. قلنا له: ومن نافع هذا؟ قال هو أحدُ القراء السبعة، الإمام وحبر الامة، اما تعرفونه؟ كان هنا وغادر بعد أن صلينا العصر جماعة وهو دائما يزورني، قلت له: هل لك به صلة قرابة؟ قال: لا، ولكن الشكل دأبا يستدعي الشكل. عرفنا أنه من السودان وهذا في مرمى الهدف، قلنا: أين نقابله؟ قال: غدًا، وفي هذا المكان وفي نفس الوقت، قلنا: قد لا يسعفنا الوقت ولكن قل أنت عنه بعض الشيء، قال:
هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم من سودان أصفهان، سالته: وهل أصفهان بها سودان؟ قال : وهل توجد بقعةٌ في الأرض يسكنها بشر تخلو من السودان والبيضان والحمران؟ ثم قال: الشهرة: نافع بن عبد الرحمن المدني، الكنية: أبو الحسن أبو عبد الله أبو رويم أبو عبد الرحمن أبو نعيم،
الإمام حبر القرآن وأحد القراء السبعة وإمام القراء في المدينة النبوية، أصله من أصفهان، ولد في حدود 70 هـ في خلافة عبد الملك بن مروان ويُقال سنة بضع وسبعين. مدنيّ نسبة إلى مدينة رسول الله، وهو من الطبقة الثالثة بعد الصحابة. قيل وكان طيب الخلق، يباسط أصحابَه. وكان عالمًا خاشعًا مجابًا في دعائه، إمامًا في علم القرآن وفي علم العربية. توفي نافع بن عبدالرحمن بن النعيم المقرئ سنة 169 هجري. قال فرج الحجام: هذا غيضٌ من فيض، لو قابلته لعرفت عنه منه الكثير، قلت: شكرًا، يكفي من القلادة ما يحيط بالعنق، ولكن كلمـــــــــة ( فيض) هذه ذكرتني رجلًا معكم هنا في هذا الشجن يقال له الفيض بن إبراهيم، هل تعرفه ؟ قال: نعم أعرفه حق المعرفة وهو ايضا يزورني هنا في محلى ، ألم أقل لك إنَّ الشكلَ دأبًا يستدعي الشكلَ، ثم قال لي: ها هو قد وصل، وناداه يا ذا النون يا ذا النون، ثم ساعده يوسف مناديًا يازول!!
الحلقة القادمة نعرف من هو ذو النون ومن أي السودان هو؟ فابقوا معنا يوسف وأنا..
والله اعلى واعلم..
6 مايو 2025م


