مقالات الرأي

أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد النبلاء السودان في العصر النبوي و الراشدي و الأموي و العباسي(8)

ذو النون النوبي
بينما ذهبتُ أنا للحصول على موافقةٍ لمقابلة ( كافور الإخشيدي) ومن داخل محل ( فرج الحجام) التقى يوسف مع ذي النون، وعند عودتي سألتُ يوسف: ماهي مخرجاتُ حوارك مع ذي النون المصري؟ قال يوسف: من لم يعرف حق النعم، سلبها من حيث لا يعلم. قلت له: نعم؟ قال: الإنسُ بالله من صفاءِ القلب بالله، قلت له: يوسف!! قال: سقمُ الجسدِ في الأوجاع، وسقمُ القلوبِ في الذنوب. فكما لا يجد الجسد لذةً في الطعام عند سقمه، كذلك لا يجد القلبُ حلاوةَ العبادة مع ذنبه.. قلت له: قول بسم الله!! ضحك فرجُ الحجام من خلف الستارة، ثم قال: هذه من أقوالِ ذي النون. ثم واصل فرج الحجام قائلًا: لو جلس صاحبُك هذا مع ذي النون جلسةً ثانيةً، لأصبح من كبارِ الصوفية، قلت له: وهل هو صوفي؟ هنا قال يوسف: هذا الرجل من ضمن أسمائه (الفيض) ومعروف أنَّ الفيضَ لقبٌ من ألقابِ الصوفية، واسمه الحقيقي: ثوبان بن إبراهيم الاخميصي، ينادونه بذي النون المصري، لأنه من سودان مصر، أصله من النوبة، إنه رجلٌ زاهدٌ عابدٌ ظريف، فيه خفةُ دمِ الإنسان المصري، لم يكن رجلًا سهلًا، كان من الفقهاءِ والمحدثين والزهاد، وكان شيخَ الديار المصرية في وقته ،يقول يوسف ، بينما كان ذو النون منشغلًا مع أحد طلبة العلم، جاءني فرجُ الحجام مسرعًا وقال لي: اسأله عن قصةِ توبته، وانصرف إلى عمله مثلما جاء، ويواصل يوصف حديثه قائلا، وبعد ان أجاب ذو النون على طالب العلم إلتفت نحوي وقال لي: سوف أحكي لك قصةَ توبتي. يقول يوسف: إندهشتُ وقلت له كيف عرفت ذلك، قال لي ، لا تندهش فأنا لا أعلم الغيبَ، ولكن النفوسَ تعلم أشياءَ بعلامات، حركةُ فرج الخاطفة ولهفةُ السؤالِ في عينيك تقول أنك تريدُ أن تعرفَ قصةَ توبتي. إنَّ الأمرَ مسألةُ استنتاج قد أُصيبُ وقد أخطئ، ثم قال لي: الصدق سيف الله في أرضه، ما وُضع على شيءٍ، إلا قطعه قال يوسف: قلت له استنتاجُك صحيحٌ، قد اصبت، فحكى لي قصة توبته التالية

أردتُ الخروجَ من مصر إِلَى بَعْض القرى، فنمت فِي الطريق فِي بَعْض الصحارى ففتحت عيني فَإِذَا أنا بقنبرة ( عصفورة) عمياء سَقَطَتْ من وكرها عَلَى الأَرْض، فانشقت الأَرْضُ فخرج منها سكرجتان ( إناءٌ صغير يُوضع فيه القليلُ من الادام) إحداهما ذهب، والأخرى فضة، وَفِي إحداهما سمسم، وَفِي الأخرى ماء، فَجَعَلَتْ تأكلُ من هَذَا وتشرب من هَذَا فَقُلْتُ: حسبي قَدْ تُبْتْ ولزمت الباب إِلَى أَن قبلني اللَّه عَزَّ وَجَلَّ..! هذه المرة، أنا الذي قلت:(سبحان المعبود!) وقال يوسف: توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة.. قلت له: هذه من عندك ام منقولة من ثوبان؟ قال ثلاثة موجودة، وثلاثة مفقودة: العلم موجود، والعمل به مفقود؛ والعمل موجود، والإخلاص فيه مفقود؛ والحب موجود، والصدق فيه مفقود. ضحكت وقلت له: صدق فرج حين قال جلسةٌ ثانيةٌ مع ذي النون، فتصبح من كبار الزهاد الصوفية، على كل حال ثبت لي أنك محاورٌ جيد ولديك ملكةُ حفظ ممتازة ما شاء الله تبارك الله.
*زرياب*
رجعنا إلى مستشارنا فرج الحجام، الذي كان يتوقع حضورَنا في أي وقت، فقال لنا: يا اهلًا و سهلًا، بعد ضيافتكم سلوني عن من تريدون؟ قلت له: (زرياب) ضحك فرج الحجام، بل قهقه حتى مال إلى الوراء على كرسيه، ثم قال لي: هو أبو الحسن على بن نافع، لُقِّب بزرياب تشبيهًا بطائرٍ أسود اللون غرَّدَ عندهم في بلدةِ الموصل، ثم أردف فرج قائلًا: هذا المحل الذي انت فيه الآن، وهذا الفرش الوثير، وهذه الادوات الأنيقة، وهذه العطور التي تعدل رائحتُها المزاج، وهذه الأزياء المفرحة، وقصات الشعر الجميلة، حتى هذه الفتحة التي تدخل من خلالها النسمات اللطيفة.. كل ذلك من ابتكار وتنفيذ العبقري المبدع زرياب، قلت له: يعنى أنه ليس مجرد مطرب؟ قال: الطرب أحدُ فنونه المتعددة، فهو إنسانٌ حلوُ الشمائل، طَلِقُ اللسان. قلت له: قل لنا *ما هي إنجازاتُه وابداعاتُه غير الطرب؟*
قال: على سبيل المثال، فإنَّ زريابَ استعمل ( المرتك) نوع من الدواء الطارد لصنان الإبط، وأدخل بقلة (الهليون ) على مائدة الطعام، التي كانت تنبُتُ في الصحراء ولا يُعرف لها قيمةٌ، فاصبحت طعامًا لذيذًا له منافعُ صحية. إخترع زريابُ ألوانًا من الطبيخ، فقد اخترع ألوانًا جديدة من خفائفِ اللحم والحلوى المصنوعة من الجوزين واللوزين والقطائف المحشوة. كما استخدم آنيةَ الزجاج في مائدة الطعام. وفي اللباس، بادر زرياب إلى اللبس حسب الفصول والأزمنة.. و زرياب هو الذي أدخل الوترَ الخامسَ على أوتار العود الأربعة. وعندما يُذكر زريابُ، يقال (المغنى الشهير) و( رئيس المغنين) وقيل عنه أنه إحدى عجائب الزمن. ولكن أستاذه إبراهيم الموصلى عندما رأى إعجابَ الرشيد وتقربه اليه، حسده وهدَّده وضايقة حتى غادر إلى الأندلس. وفي الأندلس إبتدع أشياءَ جديدةً في حياة الأندلسيين في الطعام وفي الملبس وموضة ترتيب الشّعَر للرجال والنساء. إشتهر زرياب وأصبح حديثَ الناس، لما له من جاهٍ وثروةٍ وشهرة، حتى وصلت إلى بغدادَ، وبالطبع كان لابد من أن يحسدَه بعضُ الناس، أوقعوا به وظلوا يهجونه، ولونه هو المشترك في هذا الهجاء. وبعد مؤامراتٍ ومكايدات واتهامات له، تم نفيه فهاجر إلى العراق. بل وصل الحال بأعدائه أن قالوا إنَّ زريابَ هذا- ومن سار على طريقه- كان سببًا رئيسيًا في سقوط بلاد الأندلس، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله.. وإلى اللقاء القادم مع كافور الاخشيدي صاحبِ مصر، المملوك الذي اصبح ملكًا!! كيف؟
إبقوا معنا، يوسف وانا
13 مايو 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى