أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسَيّد يكتب كُن جزءًا من الحل، ولا تكن جزءًا من المشكلة

أنتَ جزءٌ كبيرٌ من مشكلة الوطن، وتستطيع أن تكونَ جزءًا من حل مشكلة الوطن،
فقط عليك ان تتعلمَ وتمارس ثقافة (مكافحة الهدر وتعلم تحسين الأداء) لو كافحت الهدر وعملت على تحسين الأداء، ستوفر فائضًا في ميزانيتك الخاصة، والأهم من ذلك، الميزانية العامة للدولة التي سوف تتحسن ويكون فيها فائض، بصرف النظر عن دخول الإنتاج المتنوعة. وقبل أن أوردَ لكم بعضَ الأمثلة في مكافحة الهدر وتحسين الأداء، إسمحوا لي أن ابينَ لكم الفرقَ بين الإنسان الإقتصادي والإنسان البخيل، حتى لا يظن البعضُ أنني أدعو للبخل، والعياذ بالله، قالوا: الإقتصادي هو الذي يُديرُ مواردَه الماليةَ بحكمةٍ وتخطيط، ويسعى لتحقيق أقصى استفادةٍ منها، مع مراعاة احتياجاته المستقبلية. أما البخيلُ، فهو الذي يرفض الإنفاق على نفسه وعلى الآخرين حتى لو كان قادرًا ماديًا، ويفضِّل الاحتفاظَ بماله على أي شيءٍ آخر..
*الهدرُ في ثقافتنا الغذائية والاجتماعية:*
عندما نستيقظ من نومنا- فتَّاح يا عليم، رزَّاق يا كريم- بعد صلاة الفجر نبدأ بالفطور، وليكن فطورنا مكونًا من شاي الصباح مع ساندويتش كيفما كان هذا الساندويتش، حتى لو كانت رغيفه حاف، هذه وجبة فطور كافية، قد تكون هذه الوجبة في بدايتها غير مستساغة ولكن، أُنظر إليها على أنها وجبةٌ صحية، وحَمِيَّة ممتازة، وإن شئت، إجعلها عبادةً إمتثالًا لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] ، ثم فكر لو أنك ذهبتَ للعمل وتناولت الفطور في مكان عملك بالطريقة التقليدية، الفول المصلح والبيض بالطوة، او البوش أو الكبدة، كم من المال تنفقه؟ كم من الوقت تهدره؟ كم من الجهد يبذله البنكرياس لمقاومة الأنسولين الذي تسببت فيه بحشوك لأمعائك بما لا يفيد؟ وكم من الجهد سوف تبذله المعدة للتعامل مع هذا الأذى الذي حشوتها به؟ نسيتُ أن أقولَ لكم إن هذه التجربة نفترض انه سوف يلتزم بها عشرةُ ملايين نسمة من الأربعين مليون سوداني، وعلى هذا الأساس نحسب على مدار العام كم مليون رغيفه أُلتهمت في وجبة الفطور التقليدية؟ وكم مليون لتر زيت أُستخدم؟ وكم كيلوجرام من الملح والبهارات وكم من المياه ومن صابون غسيل الأواني، وغيرها من المستهلكات التي تتبع فطور المائدة استخدمت؟ وكم مليون ساعة أُهدرت في وقت تناول الفطور؟ إن تناولنا لوجبة الفطور مع شاي الصباح في شكل ساندويتش توفر علينا وعلى الدولة ملايين الساعات وملايين الدولارات وتجنبنا الأمراض التي لا تُعالج إلا بالعملة الصعبة. هذا باختصار شديد جدًا فيما يخص ثقافتنا الغذائية في الأحوال العادية وعن وجبة واحدة فقط. رأينا كم من ملايين الدولارات أُهدرت. أتركُ لك مكافحةَ الهدر في بقية الوجبات. أما في حالة المناسبات، فحدِّث ولاحرج، ففي حالـة العزاء الذي يصبح فعلا (ميتة وخراب ديار) أحكي لكم؟ أم انكم تدرون، لن أقولَ شيئًا، ولكن أقترح- في حالة العزاء- لو أنفض الناسُ من المقابر بانتهاء الدفن لكان أفضل، وإن كان لا بد من حضور المعزيين إلى منزل صاحب العزاء، فليكن ذلك بين صلاة المغرب وصلاة العشاء، يتناول المعزي كأسَ شاي اوفنجالَ قهوة والسلام، فمن آداب التعزية مراعاةُ حال أهل الميت، فإنهم في شُغلٍ عن صناعة طعام للمعزين، فألاحق أن يطعمهم الناسُ بدلِا من أن يُطعمون الناسَ، قال عليه الصلاة والسلام: إصنعوا لآل جعفر طعامًا فإنه قد أتاهم ما يشغلهم (ما يشغلهم هو الحزن الشديد على فقد أبيهم جعفر بعد استشهاده في غزوة مؤتة ) كم مليون طن من اللحم وكم مليار رطل سكر وكم مليون طن من المواد الغذائية أُهدرت في العزاءات؟
الاستحمام لا يكلف اكثر من بضع لترات وخمسة دقائق تحت (الدش) لا أعرف ماذا يفعله الذي يدخل الحمام ويفتح الدش ويظل مفتوحا لما يقارب الساعة؟ هذا لاشك إنه إسرافٌ مذموم “لا تسرف ولو كنت على نهر جار” حديث شريف. ملايين الأمتار المكعبة من المياه تُهدر بسبب تسرب المياه وسوء الاستخدام
في شهر يوليو من كل عام يفاجئنا الخريف بأمطاره الغزيرة التي تسبب الفيضانات (الماء الذي يحيي الناس يقتلنا)
الأعراس، الدعوة المفتوحة، أيُ هدرٍ وأيُ بذخٍ وأيُ سوء تصرّف هذا؟ كم مليون طن من اللحوم والبيض والأجبان والمياه الغازية كان يمكن ان يتم توفيرها لوكانت الدعوة مقيدة ومحددة..
لو قللنا أمتار عمامتنا من خمسةِ أمتار إلى ثلاثة او مترين ونصف، وكذلك الجلابية، قللناها الى ثلاثة أمتار، كم مليون متر من القماش المستورد بملايين الدولارات كان يمكن ان يتم توفيرها؟
كم مليون لتر من الوقود تُستهلك بسبب التنقل بين الولايات في ما لا يستحق سواء كان للعزاءات او لمناسبات الافراح؟
أما المساحات المهدرة في أراضينا سواءً كانت في المنازل أو المكاتب أو المزارع، او الميادين، فشيءٌ يدعو للأسف حقا، لأنها تسبب خسائرَ مركبةً، خسارة تتمثل في مد الخدمات، وخسارة في عدم استثمارها. كم مساحة منزلكم؟ وكم المساحة المستفادة منه؟ إنه هدرٌ لا داعيَ له، لماذا لا تستفيد من هذه المساحة الفارغة؟ إزرع فيها خضروات، ما المانع؟ الميادين الفاضية تتراكم فيها النفايات ومياه الأمطار، بينما يمكن الاستفادة منها كمنتزهات او كمزارع للأحياء السكنية.
هذه بعض الأمثلة وعلى عجالة، بها نستطيع ان نوفرَ ملايين الدولارات بل مليارات الدولارات خلال العام وتوجيهها للتعليم والصحة والترفيه والضمان الاجتماعي. إن لم يكن حديثي هذا مقنعًا، أُتركه واعمل بحديث الله وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا فقد قال لك في محكم تنزيله: (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً [الإسراء: 26-27]. طبق هذه الآيات بغرض العبادة وسوف يأتينا خراجُك.
أما فيما يخص تحسين الأداء، فإن تحسين الأداء يزيد في الإنتاج ويختصر الوقت ويقلل من الهدر ويحقق نتائجَ افضل، ومن امثلة تحسين الأداء إدارة الوقت، والتدريب المستمر حتى تكونَ متقنًا في عملك “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ”.يعني أن على المسلم أن يحسن ويتقن العمل الذي يقوم به لان تحسين الأداء يساعد على اختصار الوقت كما ذكرنا، فالعمل الذي كنتَ تُنجزه في أيام، ستنجزه خلالَ ساعات، والعمل الذي كنت تنجزه في ساعات، ستنجزه خلال دقائق، وكل هذا توفيرٌ لوقتك ووقت المجتمع ووقت الدولة، والوقت من ذهب، إذًا أنت توفر الذهب.
إن مكافحة الهدر وتحسين الأداء يجب ان يكونَ من أولويات اهتمام أي حكومة لأنه بالفعل يعنى التوفير، ويضمن الاكتفاءَ الذاتي للمواطن من احتياجاته خاصةً الغذائية. أمة مستهلكة ذات قوة شرائية هائلة، مثل امتنا التي تريد ان تشتري المجد بأغلى ثمن! لابد للحكومة أن تعملَ على تغيير هذه الثقافة الضارة، وتنقلنا من خانة المستهلك المسرف- الذي هو جزء من المشكلة- إلى خانة المرشد المقصد، ليكون جزءًا من حل المشكلة، حتى لو استدعى الأمرُ تغيير نشيد العلم، فكلماته ليست منزلةً، فنحن لا نريد ان نشتري المجدَ لا بأغلى ثمن ولا بأرخص ثمن، فليس هناك أمجادٌ للبيع، كما ان لنا أمجادُنا، ولا حاجة لنا لشراءِ مجد، نحن نحمى المجدَ باغلى ثمن، ولا نريد ان نتحدى الموت عند المحن، نحن نريد أن نتحدى المحن ونحن احياء، من يتحدى الموت؟ (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يوسف/21، فلا تزرعوا في عقولِنا عبارةَ (نحن شعب كالأشجار تموت واقفة) نحن شعب كالأشجار تعيش واقفة، متى نغير طريقةَ تفكيرنا وتتحرر عقولنا ونتعلم قانون (التخلي)؟ لنتخلى عن موروثاتنا السيئة، فهي ليست نصًا منزلًا ولا قولَ نبيٍ مرسل، لكنه التمسك الذي يعنى الجمود، ثم نسأل، لماذا هذا حالنا؟ وكيف؟ ومتى؟ عفوًا، أنا اعرف ان هذا ليس موضوعنا، ولكن من جنسه والكلام يستدعي الكلام. نعود إلى ما قصدنا إليه، مكافحة الهدر وتحسين الأداء، هي نظرية يابانية اسمها (كايزن) نهضت بها اليابان بعد قنبلة هيروشيما، وبعد أن قرأتُ هذه النظرية، إقتنعتُ بها قبل عشرين عامًا، ثم قمت بتطبيقها على أرض الواقع وكانت النتائج مذهلة، ويمكن ان تكون نتائجُها مذهلة على أرض الوطن، والله على ما أقول شهيد. وبعد أن حمَّلنا مسئوليةَ تطبيق نظرية كايزن للحكومة، قُم انتَ بتطبيقها في دولتك الخاصة.. في جملة من الحديث النبوي، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إحرص على ما ينفعُك واستعن بالله ولا تعجز)
تجربتي مرفقةٌ، لمن أراد ان يطلعَ عليها..
والله أعلى واعلم..
1 يوليو 2025م


