أعمدة الرأي

استخدام القوة في عمل الشرطة: ما بين النص القانوني وواقع المواجهة إعداد: عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الملخص:

 

يتناول هذا المقال بالدراسة والتحليل المختصر الإطار القانوني المنظِّم لاستخدام القوة من قبل الشرطة أثناء أدائها لمهامها في مكافحة الجريمة، مع تركيز خاص على حالات مقاومة السلطات أو التهديد المباشر لسلامة رجال الشرطة. ويستعرض المقال تطور النصوص ذات الصلة في قوانين الإجراءات الجنائية السودانية لسنة 1974، 1983، و1991، في ضوء المستجدات الأمنية التي فرضها واقع النزاعات المسلحة وتزايد خطورة الجريمة المنظمة. ويقترح المقال تعديلًا تشريعيًا يستوعب هذه التحديات، ويضمن في الوقت نفسه التقيّد بالضوابط القانونية والمعايير الدولية لاستخدام القوة، لا سيما الأسلحة النارية.

 

مقدمة:

 

تمارس الشرطة سلطاتها القانونية في إنفاذ القانون، وحماية الأرواح والممتلكات، ومكافحة الجريمة، وهو ما يستدعي في كثير من الأحيان مواجهة مقاومة عنيفة أو تهديد مباشر من عناصر إجرامية مسلحة. وفي هذا السياق، يكتسب موضوع استخدام القوة أهمية بالغة، إذ يتعين الموازنة بين ضرورة الحسم الأمني وبين احترام حقوق الإنسان.

 

وقد فرضت الحرب التي يشهدها السودان واقعًا أمنيًا غير تقليدي، تصاعدت فيه الاعتداءات على القوات النظامية، بما فيها الشرطة، واتسعت فيه رقعة الجرائم الخطرة، ما يستدعي مراجعة نصوص القانون التي تضبط ممارسة القوة، وعلى رأسها المادة (73) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991.

 

أولًا: خلفية تاريخية – كيف تطوّرت النصوص؟

 

في قانون 1974 (المادة 30):

سمح هذا القانون باستخدام القوة اللازمة لتنفيذ أوامر القبض، بما في ذلك إحداث الوفاة، إذا كانت الجريمة المعنية يعاقب عليها بالإعدام أو السجن لأكثر من عشر سنوات. كان النص يعكس فهمًا واقعيًا لطبيعة المهام الشرطية في مواجهة الخطر الجسيم.

 

قانون 1983 (المادة 30):

استمر في ذات الاتجاه، مع تخفيض معيار العقوبة من عشر إلى سبع سنوات، وهو ما وسّع من دائرة الجواز لاستخدام القوة المميتة، استجابةً لمتغيرات الميدان آنذاك.

 

قانون 1991 (المادة 73):

شهد النص تحوّلًا واضحًا، إذ قيّد استخدام القوة بما يلزم فقط لدرء مقاومة أو منع هروب المقبوض عليه، دون أي إجازة صريحة لاستخدام القوة القاتلة حتى في أشد الظروف. جاء هذا التغيير متأثرًا بمناخ حقوق الإنسان، لكنه أغفل خصوصية السياق الأمني السوداني، خاصة في ظل وجود جماعات متفلتة تحمل السلاح وتهاجم القوات النظامية.

 

ثانيًا: التحدي على الأرض – القانون شيء والميدان شيء آخر

 

الواقع يقول إن رجل الشرطة، في كثير من الأحيان، لا يواجه مجرد مشتبه فيه يفرّ من العدالة، بل قد يواجه مجموعة مسلحة، أو كمينًا يستهدف حياته بشكل مباشر.

 

ومع غياب نص صريح يُجيز له استخدام القوة المميتة عند الضرورة، يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر:

 

إما التردد الميداني، والتعرض للموت.

 

أو اتخاذ قرار ميداني سريع قد يؤدي إلى المساءلة الجنائية لاحقًا.

 

 

في هذا السياق، يُصبح القرار الميداني لحظة اختبار وجودي. وقد لخّص أحد أهم الاقتباسات في أدبيات العمل الشرطي هذه المعادلة الدقيقة:

 

> “يجب أن يتخذ ضابط الشرطة قرارًا في ثوانٍ، وسيتجادل في تقييمه القضاة والمحامون لسنوات”

a police officer must make a decision in seconds that judges and lawyers will fight over for years

 

هذه العبارة لا تُبرّر الخطأ، لكنها تُفسّر حجم الضغط الذي يُمارس على رجل الشرطة. فالقرار الذي يتخذه تحت وقع إطلاق النار، ووسط صراخ المارة، وتحت تهديد الموت، يُعاد تفكيكه لاحقًا في بيئة مختلفة تمامًا: هادئة، مكيفة، خالية من الضغوط. وهناك، يكون التقييم بأثر رجعي، بينما القرار كان بأثر فوري. إنها فجوة لا يشعر بها إلا من وقف في الميدان.

 

ولعل ما يضاعف من قسوة هذا الواقع، هو أن رجل الشرطة يُطلب منه شيء لا يُطلب من غيره: أن يواجه الرصاص من أجل غيره، حتى وإن كان لا يعرفه. وهنا تبرز الحقيقة التي قلما تُقال، لكنها تُمارس كل يوم في الشارع، دون إعلان أو شعارات:

 

> كم عدد الأشخاص الذين سيتلقون رصاصة لحماية شخص غريب؟

يفعل رجال الشرطة هذا كل يوم.

how many people would take a bullet to protect a stranger?

cops do this every day.

 

هذه العبارة لا تحتاج إلى شرح، بل إلى لحظة صمت. إنها تلخّص جوهر العمل الشرطي، حين تتحول المسؤولية القانونية إلى تضحية إنسانية، ويصبح السلاح في يد الشرطي آخر ما يفصل بين الفوضى والأمان.

 

ثالثًا: لماذا نحتاج إلى تعديل المادة (73)؟

 

1. لأن الواقع تغيّر:

الشرطة الآن لا تواجه مجرد مقاومة، بل هجمات مسلحة مباشرة بأسلحة أوتوماتيكية، في أحياء مدنية ومناطق صراع.

 

2. لأن القانون لم يعد كافيًا:

النص الحالي يطالب الشرطي بـ”القوة المعقولة”، لكنه لا يُحدّد ما إذا كانت حياته تستحق استخدام أقصى درجات الحماية.

 

3. لأننا نريد نصًا متوازنًا:

المعايير الدولية لا ترفض استخدام القوة المميتة، بل تنظمها، وتُجيزها عند الضرورة القصوى، مع وجوب التناسب والاضطرار.

 

رابعًا: التعديل المقترح للمادة (73)

 

> “يجوز لرجل الشرطة عند تنفيذ سلطاته القانونية أن يستخدم القوة اللازمة لدرء المقاومة أو منع الهروب، ويجوز له، في حالات الضرورة القصوى، إذا واجه خطرًا وشيكًا على حياته أو حياة الغير، أن يستخدم القوة المميتة، بشرط أن تكون متناسبة مع الخطر، ولا يمكن تجنبها بوسيلة أقل ضررًا.”

 

خامسًا: ما بعد التعديل – كيف نرفع كفاءة استخدام القوة؟

 

التعديل القانوني وحده لا يكفي، فلا بد أن يصاحبه عمل مؤسسي جاد، يشمل:

 

إدراج “قواعد استخدام القوة” و”قواعد الاشتباك” ضمن مناهج الشرطة.

 

تنظيم تدريبات ميدانية على اتخاذ القرار تحت الضغط.

 

رفع وعي رجال الشرطة بحقوقهم وواجباتهم، لتفادي القرارات العشوائية أو المترددة.

 

إنشاء آلية رقابة داخلية تضمن الاستخدام المسؤول للقوة، وتدافع عن من التزم بالقانون.

 

الخاتمة:

 

لقد مرّ التشريع السوداني بمراحل متباينة في تنظيم مسألة استخدام القوة، من التوسعة إلى التقييد، لكن دون أن يتوقف كثيرًا عند الواقع الأمني المتغير. وفي ظل الحرب، وانتشار الجريمة المسلحة، لم تعد الحماية القانونية لرجل الشرطة مجرد “حق”، بل ضرورة مهنية.

 

التعديل الذي نقترحه اليوم ليس دعوة للعنف، بل دعوة لحماية من يحمي الآخرين. نريد قانونًا يضع في اعتباره أن رجل الشرطة ليس قاضيًا ولا محاميًا، بل إنسان في مواجهة الخطر، يتخذ قراره في لحظة، ويتحمل تبعاته طوال العمر.

 

١٠ يوليو ٢٠٢٥م

زر الذهاب إلى الأعلى