أعمدة الرأي

أسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسَيْد يكتب شكرا ولكن!!

 

سمعتُ- ولا زلتُ اسمع- الكثيرَ من عبارات المدح والإطراء والإعجاب بمقالاتي، وهذا شيءٌ- بلا شك- يُسعدني، فإن اللهَ- عزَّ وجل- يحبُ ان يُمدحَ، وجعل لمن يشكره مكافأة ( لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) سورة إبراهيم اية رقم 7.. ولكن الحقيقة التي يجب أن يعرفها الجميع، أنني لم اكتب شيئًا، فكل ما كنتُ- ولا زلت- أفعله، هو (النقل) أنقله لكم من الكتب من عيونها ومن بطونها، أغوص في أعماقها، لأستخرجَ لكم منها بعضًا مما ثبت لي من كلام الأئمة والعلماء والسلاطين والفلاسفة والمتصوفة والشعراء والحكماء والصعاليك والظرفاء والمجانين والزنادقة وأخبار النساء، أنقلُ لكم موضوعات متعددةً ومتنوعةً من قرآن كريم وأحاديثَ نبويةٍ، ومن السير والمغازي، الفتن والملاحم والزهد والرقائق والمواعظ و القَصص ومن طرائفَ وأشعارٍ، و من قضايا اجتماعيةٍ و توجيهات عامة ولا تخلو مقالاتي من غرائب الحديث. إن ما انقله لكم مثلُ المائدة، تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين، فكل ما أفعله في هذه المائدة، هو طريقة التقديم ليس إلا. ليس لي فيما أُقدمه لكم من الافتخار اكثر من الاختيار، ولأنني أُخاطبُ رفيعَ الناس، فلابد لي من رفيعِ الكلام واختيار الألفاظ التي تُكسبُ الصورةَ حلاوةً وطلاوةً وجزالة. أجتهد في الربط بين الجملتين واتفاق الجرس الصوتي، كل ذلك ليعطيَ المعنى وضوحًا وفخامة، لأنَّ من أرادَ معنىً كريما فليلتمس له لفظا كريمًا، فانَّ من حق المعنى الشريف اللفظ الشريف والأسلوب العذب والكلام العذب، اذا حل في القلب أحدث فيه حركةً وهزّه، لذا تجد فيما انقله ما يرضيك غالبا، ويغيظك أحيانًا، ويُثيرُ في نفسِك الشك، أحيانًا أخرى. وبهذا أكون قد ملكتُ امرَك كلَّه، فمن أين لي هذا؟ فأنا لا أملك هذه المقدرةَ، إنها جودة اختيار(النقل) ولا أكون مبالغًا، إذا قلتُ لكم لو أني ابتعدتُ عن مكتبتي مترًا أو مترين، إنقطعت عنى كلُ المعلومات والمعرفة، وأعجز عن كتابة سطرٍ واحد. وإن كانت لي بصمةٌ خاصة فيما أنقله لكم، فذلك يرجع إلى تأثري بكل أهل السودان، لأنني تجولتُ في أقاليم السودان المختلفة منذ الطفولة حيث عشت في حواضرهم وبواديهم، وقرأتُ في محاضرهم، و سمعتُ في نواديهم وشاهدتُ في مسارحهم وطَعِمتُ من مطاعمهم. هذه البيئات عميقةُ الجذور، ثريةُ الفنون متباينةُ الأصول، لها نكهةٌ خاصة متميزة تنعكس على ما أنقل فتعطيها مذاقًا مميزًا، مما يُوهم البعضَ أن ما أكتبه هو من تأليفي، لكن الحقيقة غير ذلك.

النقلُ ليس عيبًا بل هو شيءٌ ممدوحٌ ومطلوب، لأنه وسيلةٌ من وسائلِ المعرفة. ويرى البعضُ أنَّ النقلَ هو المصدرُ الأساسي للمعرفة الدينية (الوحي)، فأخذه الصحابةُ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بلّغوه، وهكذا فعل التابعون ومن بعدهم في منهج نقلي عظيم. كل الكتّاب المتقدمين منهم والمتأخرين، بما فيهم الجاحظ وبروف عبدالله الطيب، لم تخلوا كتاباتهم من نقل، ينقلون من التراث ومن التراجم، ومن أفواه العلماء والحكماء ويطلقون على ذلك (اقتباس) ويجيزونه، حتى أن بعضهم قال (البلاغة هي الاقتباس) والخطبةُ التي تخلو من آيات قرآنية يسمونها الخطبة (الشوهاء) والخطبةُ التي لا تُفتتح بالبسملة والحمد تسمى بالخطبة (البتراء) وأشهر الخطب البتراء هي خطبة زياد بن أبيه.

يقر ويعترف الشاعر الجاهلي زهير بن ابي سلمى بانهم- معشر الكُتَّاب والشعراء- ينقلون، ويقول في ذلك:

وما أرانا نقولُ إلا معارا … أو معادًا من قولنا مكرورا..

الكتابةُ- حتى وإن كانت نقلًا- فهي صعبة، ولكن قيل (ما يكتبه الانسان بصعوبة يقرأه الناس بسهولة) والأكثر ثقلا في الكتابة هي المسئولية، لأنك مسئول أمام الله عما تكتب، فقد قال الشاعر

وما من كاتب إلا سيفنى

ويبقى الدهر ما كتبت يداه..

فلا تكتب بكفك غيرَ شيءٍ

يسرك يومَ القيامة أن تراه..

اللهم (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89) سورة الشعراء..

أنت تستطيع أن تنقلَ مثل ما أنقل، بشرط ان تهزمَ عدوَّك الأول، وهو الخوف. قيل الخوف هو ( توقع المكروه) أنت تتوقع أن الناسَ سيرفضون ما تكتبه، وهذه ليست حقيقة، فإنَّ معظم ما يخشاه الناس تهيآت، فليس هناك شيءٌ يفعله الإنسان يرفضه كلُ الناس، وكذلك ليس هناك شيءٌ يفعله الإنسان يقبله الجميع، فهذه هي طبيعة البشر وهذه هي سنة الحياة و لو لا هذا التباين لفسدت الحياة، ولن تستطيع إرضاء الناس وقد قيل: رضا الناس غايةٌ لا تُدرك، ورضا اللهِ غايةٌ لا تُترك، فاترك ما لا يُدْرك وأدرك ما لا يُترك. و يقول أبنُ القيم: رضا الناس لا مقدورٌ ولا مأثورٌ ولا مأمور، يعنى غير مقدور عليه، ولم نسمع أنَّ أحدًا قد أرضى الناسَ، وليس مأمورًا بإرضائهم..

بهذا الاقتباس، ينتهي المقال الذي جُلُه اقتباس..

والله أعلى وأعلم..

22 يوليو 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى