مقالات الرأي

حقّ الدّفاع الشرعي في القانون الأمريكي: دراسة تحليلية مقارنة وإضاءات على ضرورة الإصلاح التشريعي في السودان في مرحلة ما بعد الحرب إعداد: عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان

بسم الله الرحمن الرحيم

 

“إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غدِه: لو غُيِّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يُستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.” العماد الأصفهاني

 

المقدمة

 

يُعدّ حقّ الدفاع الشرعي عن النفس أحد أعرق الحقوق التي عرفتها النظم القانونية، إذ يمثل امتدادًا لغريزة البقاء وحاجةً ضرورية لحماية الفرد من خطر داهم يهدد حياته أو سلامته أو ماله. وقد شهد هذا الحق تطورًا ملحوظًا في التشريعات الحديثة، حيث برز النموذج الأمريكي بوصفه إطارًا قانونيًا متقدمًا في تنظيمه، متميزًا بمرونته الإجرائية وتدرجه عبر ثلاث مراحل أساسية: مرحلة تقدير الشرطة والنيابة، ومرحلة التماس الحصانة أمام القضاء، ثم مرحلة المحاكمة أمام هيئة المحلفين.

 

وفي ظلّ الظروف الاستثنائية التي يشهدها السودان كدولة خارجة من حرب وتخطو نحو تأسيس دولة القانون، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في القوانين المنظمة لحقّ الدفاع الشرعي، ولا سيّما في ظل انتشار السلاح وتنامي المهددات الأمنية، مما يتطلّب تطوير الأطر التشريعية والإجرائية بما يكفل الحماية العادلة والفعالة للأفراد.

 

أولًا: مرحلة الشرطة والنيابة – سلطة تقدير عدم توجيه التهمة

 

1. التقييم المبدئي للواقعة

 

عند استخدام القوة من قِبل شخص يدّعي الدفاع عن نفسه، تباشر الشرطة في الولايات المتحدة تحقيقًا أوليًا يقوم على الحياد والموضوعية، ويشمل:

 

جمع الأدلة المادية من مسرح الحادث.

سماع أقوال الشهود.

مراجعة التسجيلات المرئية أو الصوتية إن وُجدت.

استجواب الشخص محلّ الاشتباه.

2. دور النيابة العامة

 

تُراجع النيابة العامة نتائج التحقيق المبدئي بصفتها سلطة اتهام مستقلة، ولها أن تتخذ أحد القرارين:

 

توجيه الاتهام بارتكاب جريمة مثل القتل أو الاعتداء.

رفض توجيه الاتهام (No Charges Filed) إذا تبيّن لها بوضوح أنّ الفعل كان في إطار الدفاع الشرعي المشروع.

3. أهمية هذه المرحلة

 

يُظهر هذا النظام مرونةً إجرائية عالية، إذ يُتيح إنهاء القضايا ذات الطبيعة الدفاعية في مراحلها الأولى، تجنّبًا لإطالة أمد الإجراءات أو تقييد حرية الأبرياء بلا مبرر.

 

ثانيًا: مرحلة التماس الحصانة – جلسة الاستماع أمام القاضي

 

في حال توجيه الاتهام، يجوز للمتهم تقديم طلب إلى المحكمة يلتمس فيه إسقاط الدعوى استنادًا إلى قوانين مثل:

 

Stand Your Ground Law

أو Castle Doctrine

إجراءات هذه المرحلة

 

1. تقديم طلب مكتوب إلى المحكمة (Motion to Dismiss Based on Immunity).

 

2. عقد جلسة استماع للأدلة (Evidentiary Hearing) يُقدَّم فيها:

 

o عرض الأدلة المادية.

 

o سماع أقوال الشهود.

 

o تقييم مدى مشروعية استخدام القوة في ضوء الوقائع.

 

القرار القضائي

 

إذا اقتنع القاضي بتوافر شروط الدفاع الشرعي: تُمنح الحصانة وتسقط التهم نهائيًا.

إذا لم يقتنع: تُحال الدعوى إلى المحاكمة أمام هيئة المحلفين للفصل فيها.

آثار الحصانة

 

الحصانة الجنائية: إسقاط الملاحقة الجنائية (No Prosecution).

الحصانة المدنية: منع إقامة دعوى مدنية بالتعويض (No Civil Liability).

ثالثًا: مرحلة المحاكمة – الحسم أمام هيئة المحلفين

 

إذا لم تُمنح الحصانة، تُحال الدعوى إلى المحاكمة وفق الإجراءات المعتادة، حيث:

 

يقع عبء الإثبات على الادعاء العام لإثبات الجريمة بما لا يدع مجالًا للشكّ المعقول (Beyond a Reasonable Doubt).

يحقّ للمتهم الدفع بأنه كان في حالة دفاع شرعي.

تفصل هيئة المحلفين في ثبوت الإدانة أو البراءة استنادًا إلى مجمل الأدلة.

رابعًا: وضع المتهم ريثما يُفصل في طلب الحصانة

 

إذا كانت التهمة جسيمة (مثل القتل العمد)، يُودع الشخص الحبس احتياطيًا.

يحق لمحاميه التقدم بطلب الإفراج بكفالة (Bail)، ويُفصل فيه القاضي وفقًا لمعايير:

خطورة الجريمة المرتكبة.

مدى خطورة المتهم على المجتمع أو احتمالية هروبه.

وفي حال ثبوت الدفاع الشرعي لاحقًا، يُفرج عن المتهم فورًا وتُسقط التهم بحقه.

خامسًا: النموذج السوداني – الحاجة إلى إصلاح تشريعي في مرحلة ما بعد الحرب

 

رغم أنّ قانون العقوبات السوداني لسنة 1991 نظّم أحكام الدفاع الشرعي في المواد ذات الصلة، إلا أنّ النصوص الحالية تفتقر إلى التدرج المرحلي في تقدير المشروعية، وإلى الآليات التي تكفل إنهاء القضايا الدفاعية مبكرًا، مما يؤدي إلى حبس أفراد أبرياء لمدد طويلة قبل الفصل في براءتهم.

 

الإشكالات الرئيسة في النظام السوداني الحالي

 

1. غياب سلطة النيابة في حفظ البلاغ إذا ثبتت حالة الدفاع الشرعي مبدئيًا.

 

2. انعدام نظام الحصانة القضائية المبكرة قبل المحاكمة.

 

3. الإفراط في استخدام الحبس الاحتياطي رغم وجود قرائن تبرئ المتهم.

 

سادسًا: التعزيز الفقهي لمقترح الإصلاح – قاعدة “الصائل يُقتل”

 

النصّ الفقهي

 

“دفع الصائل واجب، ولو أدى إلى قتله، فلا ضمان على المدافع.”

 

الصائل: المعتدي على النفس أو المال أو العرض بغير وجه حق.

المستند الشرعي:

قول النبي ﷺ: “من قُتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قُتل دون ماله فهو شهيد” (رواه الترمذي).

إجماع الفقهاء على مشروعية دفع العدوان ولو بالقتل إذا لم توجد وسيلة أخرى لدفعه.

التكييف القانوني في ضوء الفقه

 

قتل الصائل لا يُعد قتلًا عمدًا موجبًا للعقوبة أو الدية، بل هو دفاع مشروع.

هذا المفهوم ينسجم مع فلسفة القوانين الحديثة التي تُقرّ الدفاع الشرعي الكامل باعتباره سببًا للإباحة.

سابعًا: الصياغة القانونية المقترحة

 

“لا تُقام الدعوى الجنائية ضد من استخدم القوة دفاعًا عن نفسه أو ماله أو عرضه، إذا تبيّن لسلطة التحري أو النيابة أن فعله وقع دفعًا لعدوان صائل، وكان متناسبًا مع الخطر المحدق، ولا يُسأل المدافع جنائيًا أو مدنيًا عن النتيجة المترتبة على فعله.”

 

الخاتمة

 

إنّ التشريعات القانونية ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق العدالة وحماية الأفراد وصون أمن المجتمع. ويُظهر النموذج الأمريكي مرونة إجرائية متقدمة، إذ يمنح الشرطة والنيابة سلطة تقدير مبكر، ويوفر للأفراد آلية واضحة لطلب الحصانة، مع إتاحة الفصل النهائي لهيئة المحلفين عند الاقتضاء.

 

أما السودان، وهو ينهض من أتون حرب مدمرة، فإنه أحوج ما يكون إلى تطوير تشريعاته بما يحقق التوازن بين حماية الأفراد وصون النظام العام. وإنّ استناد مقترح الإصلاح إلى قاعدة “دفع الصائل” يُكسبه تأصيلًا فقهيًا راسخًا، ويعزز قبوله المجتمعي بوصفه منسجمًا مع مقاصد الشريعة ومتطلبات العدالة الحديثة.

 

يوليو 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى