أعمدة الرأي

أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسيد  يكتب نبلاء السودان في العصر النبوي والراشدي والأموي والعباسي (الأخيرة)

 

(سوق الوراقين في بغداد)

نحن الآن في ســـوقِ الوراقين، في بغداد. أُذكركم بهذا السوق الذي سبق وأن قلتُ لكم تُنتشر فيه (الفوضى المنظمة) وتغمُرُك طاقةُ المكان، كلُ شيءٍ فيه يبدو متحركًا، كلُ من فيه دؤوب الحركة، تسمع فيه ما لم تسمعه من قبلُ من فصيحِ الكلام والحِكم و الأمثال و الأشعار، هو ملتقى الأدباء والشعراء والمؤرخين والفلكيين والفلاسفة والأطباء، والصعاليك والمجانين والجواري والشرفاء والعبيد، والزُهَّاد، والمتصوفة، والسكارى، والباعة المتجولين، لكنه منتظم، كلٌ يعرفُ دورَه ويلزم حدودَه. إنها الفوضى المنظمة، بسبب حضور هيبة الدولة المتمثلة في الشرطة العباسية بملابس ضيقة سوداء وعيونٍ يقظةٍ وكلابٍ مدربة وعصيِّهم الغليظة يجوبون السوقَ وسط الناس. أما نحن، فكنا في انتظار رؤية الخليفة العباسي إبراهيم بن المهدي الذي هو من السودان. قيل لنا إنَّ لهذا الامير- في مثل هذا اليوم من كل أسبوع- زيارةً لسوق الوراقين، ولكننا لم نعلم وقت الزيارة بالتحديد، فسألتُ أحدَ مرتادي السوق، عن وقت زيارة الأمير، فأجاب قائلا: إذا رأيتَ كوكبةً من الفرسان وكبكةً من الرجال وفرقةً من العازفين وجوقةً من الغلمان ولمةً من النساء ورعيلًا من الخيل و صرمةً من الإبل، فاعلم أن الخليفةَ قد وصل. قال لي يوسفُ هامسا: ما هذه الكلمات ( كبكبة وكوكبة وجوقة؟) سمعه الرجلُ فأجاب قائلا: هكذا تقول العربُ. وبالفعل، ما هي إلا دقائق، حتى رأينا رعيلًا من الخيل تصطف على جانبي الطريق، ثم تأتي كوكبةٌ الفرسان مدججين بالأسلحة، يتقدمهم فارسٌ تبدو عليه الصرامة، ثم تبعتهم فرقةُ العازفين، يتوسطهم رجلٌ اسود عظيمُ الجثة، ثم تبعتهم كبكبةٌ من الرجال وجوقةٌ من الغلمان، حتى انتهى الموكب، ولم نرَ الخليفة، قلنا لعلَّ هذه هي المقدمة التي تسبق الموكب وسيتبعها موكبُ الأمير لاحقًا، ولكن لم يحدث شيءٌ حتى عادت الحياة إلى طبيعتها. قلنا يبدو أن الأميرَ اعتذر هذه المرة عن زيارة السوق، هكذا قال يوسف!! وكالمعتاد، إلتقط أحدُ مرتادي السوق ما قاله يوسف وكان الرجلُ ثملًا، قال لنا: هذا الأسود الضخم عظيم الجثة الذي كان مع فرقة العازفين هو الخليفة العباسي إبراهيم بن المهدي، معكم حق إن لم تصدقوا ثم أنشد قائلا:

ضاعت خلافتكم يا قومُ.. فالتمسوا خليفةَ الله بين الناي والعود..

ثم صاح بأعلى صوته: يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة…. والأذن تعشق قبل العين أحيانا..

فزجره أحدُ الرجال يبدو أنه من رجال الدولة قائلا: إخرس أيها الأعمى الزنديق!! يوسف وأنا هتفنا: ( بشااااار بن برد؟)

بشار لايهمنا الآن بقدر ما نحن مشغولون بمعرفة شيءٍ عن الأمير العباسي الأسود إبراهيم بن المهدي أخو هارون الرشيد، الذي ينتهي نسبه إلى العباس بن عبد المطلب، وأمه جاريةٌ سوداء ديلمية اسمها شَكْلة، فكان أسودَ عظيمَ الجثة، يسمى «التنين» ويقال له “ابن شكلة”. هذا الأمير الذي يعشق الطربَ والموسيقى ويمارس الغناء، كيف كسر حاجز قوانين وأعراف البيت العباسي واتجه إلى هذا الاتجاه الذي يتحفظ عنه معظم عامة الناس، ناهيك عن أسرة آل العباس بما لها من شرف وسؤدد. كان إذا عِيبَ ذلك عليه قال: «أنا ملكٌ وابنُ ملكٍ وإنما أغني على ما أشتهي وكما ألتذ» وكان يقول: (لولا أني أرفع نفسي عن هذه الصناعة لأظهرت فيها ما يعلم الناس معه أنهم لم يروا قبلي مثلي)

ومن فنون شعره الغزل والنسيب والمديح والهجاء، وله رثاءٌ وخمريات وشيءٌ من النثر في رسائلَ إخواني.

أغلق يوسفُ المخطوطةَ، وقال: قصةُ هذا الأمير طويلةٌ، في نهاية الأمر أنَّه فضَّل الموسيقى والغناءَ على الخلافة، وبالتالي فقد الخلافة.

قال يوسف: نكتفي بهذا القدر وكفى، لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا، قررنا الذهاب الي أقرب مطعم، فتوجهنا إلى مطاعمِ الرصافة والكرخ في بغداد، حيث تنتشر المطاعم، وكلهم يروج لطعامه، هذا بائعُ الهريسة يقول:

ألذَّ ما يأكله الإنسان..

إذا أتى من صيفه نيسان..

وطالت الجديان والخرفان..

هريسةٌ يصنعها النسوان. وهذا بائعُ فطائرَ يقول:

دعاني صديقٌ لي لأكل القطائف..

فأمعنت فيها آمناً غير خائف..

فقال، وقد أوجعت بالأكل قلبه..

رويدك مهلًا فهي إحدى المتالف..

فقلت له: ما إن سمعنا بهالك

يُنادى عليه: يا قتيلَ القطائف..

وبائعٌ آخر يُسوِّقُ للكنافة:

قطائفٌ قد حُشِيت باللوزِ

والسكرِ الماذي.. حشو الموز

تسبح في آذيّ.. دهن الجوز

سررت لما وقعت في حوزي..

سرور عباس بقرب فوزِ..

أُعجبَ يوسفُ وقال لي: والله قد نسيتُ الجوعَ وشبعتُ طرفًا وطربًا وابداعا،

ولكن قل لي، ماذا نأكل؟

قلت: نطلبُ قائمة المأكولات

وجدنا في القائمةَ ما يلي من مأكولات: خشكناجة، فالوذج، كباب، اللوزينج، مضيرة، هريسة..

لاحظ نادلُ المطعم اننا محتارَيْن في ماذا نطلب، فقال لنا:

عندي لأصحابي إذا اشتد السغب..

قطائفُ مثل أضابير الكتب..

كأنها إذا ابتدأ من الكثب..

كوافرُ النحل بياضًا قد ثُقب..

أطيبَ منه أن تراه ينتهب..

كل امرىء لذته فيما أحب..

فارتجلت ابياتا من عندي وأنشدتُ:

يا نادلُ قد أدركنا السغب..

آتينا بما تراه طيب وأحب..

أكلنا وشبعنا وحمدنا الله على نعمة ( البلع) التي هي من النِعَمِ المنسية، ثم قال يوسف: هذا العشاء الأخير، وغدًا- بمشيئة الله- نغادرُ، ويا خوف فؤادي من غدِ.

برقَ صبحُ بغدادَ، أصبحنا وأصبح الملكُ لله، حان وقتُ الرحيل، حان وقتُ وداع بغداد.. رفعنا القبعات تحيةً لكافورَ الإخشيدي، استأنسنا مع فرج الحجام و صلينا خلف نافع المقري وغنينا مع زرياب، وضحكنا مع أبي دلامة ورطنا مع ذي النون النوبي وبكينا مع الخليفة إبراهيم المهدي وأكلنا الخشكناجة والفالوذج واللوزينج والمطيرة و سبحنا في نهر دجلة وعبرنا جسر الرصافة ثم التفتنا لنلقيَ نظرةً أخيرة، وانشدنا أبيات المعري في وداع بغداد:

يا عــارضًــا راح تــحــدوه بــوارقـــه … للكرخ سلمت من غيث ونجيـتـا

لــنــا بـبـغداد مـن نـهوى تـحـيـتـه … فإن تـحـمـلـتـهـا عـنـا فـحـيـيـتـا..

بهذا تنتهي جولتُنا في شجن نبلاءِ السودان في العصر الراشدي والعصر الأموي والعصر العباسي، والسلام عليكم،،

والله أعلى وأعلم..

29 يوليو 2025 م

زر الذهاب إلى الأعلى