أعمدة الرأي

حاتم حسن يكتب رفقةُ العُمر… من دارٍ إلى دار

 

 

الامهات ….

ليلي ميرغني علي

طيبة عوض الله

الشفاء محمد عبد الله ……

في زقاقٍ هادئٍ من أزقة الحاج عبد الله ، كانت البيوتُ متلاصقةً كقلوب ساكنيها. لا يُفرِّق بين “ليلي ميرغني ” و” طيبة بت عوض الله ” و”الشفة مرة الشفيع ” غير جدارٍ رقيقٍ من طينٍ وحياء، أما الأرواح، فقد كانت جسدًا واحدًا في ثلاث نوافذ.

كاني بهن في احد مشوارهن الدائبة من أقصي شمال الحاج عبد الله الي أقصي جنوبها المكاوي او القلعة او الكمبو او البيارة او القشلاق مشاوير اسها والمقام المحبة والوئام وايه الدنيا غير لمة ناس في خير او ساعة حزن عادة ما التقيهن مداعبا اهة الليلة علي وين يا ( حريم الشهداء ) لجهة انتقال ازواجهن الأعمام محمد حامد وعمر مرغني والشفيع الي رحمة الله عليهم فتجيبني احداهن ( قلنا الليلة ان شاء الله ود مريم ما يشوفنا ) وآمضي ويذهبن ضاحكات غير بائسات فاراوحهن مطامير مسرة وسرور تنقضي المشاوير ولا تنتهي الرواية ويكون آخر المشوار وداعا بينهن ودود وتخطيط لمشوار

قادم لا يتحركن فرادي ابدا ابدا مذ اصبحن جاراتٍ… بل أكثر. يخرجنَ معًا، يعدنَ معًا، ويتقاسمن الأيام كما يُتقاسم الشاي الساخن عند المغارب. إذا ضحكت إحداهن، انتشر السرور في الدرب، وإذا مرضت أخرى، كان الدعاء والتناوب على رعايتها فرضًا غير مكتوب.

جمعت بينهن نعمة الجوار، وثبت بينهن عهد الرفقة الصالحة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:

“خيرُ الأصحابِ عند الله خيرُهم لصاحبه، وخيرُ الجيرانِ عند الله خيرُهم لجاره”.

فكُنَّ خيرَ الجاراتِ وأوفى الرفيقات، لا تلهيهن دنيا، ولا تفرّق بينهن فُرقة نفس.

وحين أظلمت سماء الوطن بنيران الحرب، لم يتفرَّقن، بل هاجرن تباعا إلى أرض الكنانة، مصر، حيث الأمن نسبيّ، والمأوى مؤقت، والحنين دائم.

“قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا” [التوبة: 51]، فشاءت إرادة الله أن يمدَّ في أعمارهن حتى شهدن اللجوء والمنفى ومثقلات ليلي الغربة، لكنهن رضين باقدار الله يتكئ بعضهن على حلم عودة مجهولة وقضت ارادة الله ان لا تتم لهن.

كانت ايام الانتقال الي رحمة الله لهن متقاربة الوالدة ليلي في ٢٠٢٣/١١/١٠ الوالدة طيبة في ٢٠٢٤/١٠/٤ لتلحق بهن الوالدة الشفاء في ٢٠٢٥/٧/٢٨ كانهن علي موعد غير مكذوب ، وُوري الثرى بهن تباعًا علي مقربة وجوار لصيق وكأنهن أبين أن يُدفنَّ متفرقات.

من جوارٍ في الدنيا إلى جوارٍ في القبر وعلي سرر متقابلة في جنات النعيم باذن الله ، وكأنَّ الله جمعهن كما كنّ، واحدةً تلو الأخرى، في نفس الثرى، ونفس الصحبة، ونفس الطمأنينة.

“المرءُ مع من أحبَّ”، حديثٌ قدسيٌّ طمأن الأرواح أن اللقاء لا ينقطع.

يا لهن من نسوة…

تركن في الخلف حكاياتهن، ودروبًا تشهد على وقع أقدامهن، ونخلاتٍ ما زالت تميل كل صباح نحو بيوتٍ بلا نوافذ.

قال أحد الحكماء:

“الوفاء لا يُشترى، بل يُورَثُ بالمواقف”،

وقد ورّثن الوفاء، والحب، والصبر.

وفي رثائهن، نكتب كما قال الشاعر: جارتْ على الأيامِ جاراتُنا

ولم تزلْ أرواحُهُنّ وفية

سلكنَ دربَ الله طائعاتٍ

فزُففنَ للرحمنِ زفّة نقيّة

اللهم اجعل قبورهن روضة من رياض الجنة،

اللهم اجزهنَّ بما قدمن من معروفٍ وعشرةٍ طيبة،

واجعل جوارهن في الدنيا مدخلاً لجوارٍ أعظم في الفردوس الأعلى.

قصة وفاء !!!

وليس أدل علي المحبة بينهن هذه القصة عندما جاء عثمان مانو الي والدته رحمة الله عليها وهما بمصر قائلا ( الليلة عندي ليك خبر جميل يمة ….شنو يا ولد ….الليلة ناس الشفيع رجعوا الحاج عبد الله ومعاهم امهم كمان …. يا الله يا عثمان بركة الحرب القامت عشان الشفاء ترجع حاج عبد الله …. والله بالغتي يا امي وانتي هسع شفتيها …..كفاية فتحية وحفيظة اخواتي شافوها ….)) انتهي الحوار ولم تنتهي رواية الاخاء والمحبة محبة احالت نقمة الحرب الي نعمة عند امنا ليلي وهي تعيد لها أختها غير الشقيقة إليها ليس ذلك فقط بل توجتها بالقول بكفاية عليها رؤية اخوانها لها يا الله ما أجمل المحبة وما انبل الوفاء …..

الامهات ليلي وطيبة والشفاء نفس المسجد تم الصلاة عليهن فيه تباعا ومنه الي ذات المقبرة لا يفصل بينهن سوي خطوات مترافقات في الدنيا والاخرة وفي جنات الخلد يا حنان يا منان اللهم آمين …

واختم قولي بالصلاة معظما

ايا ربنا صلي وبارك وسلما

علي المصطفي و آل والصحب دائما صلاة تفوق المسك عطرا مفخما

يطيب بها كل الوجود ويتلألأ

اللهم اغفر لهن وارحمهن ووسع مدخلهن يمن كتابهن ويسر حسابهن ولا نقول الا ما يرضي الله انا لله وانا اليه راجعون

زر الذهاب إلى الأعلى