أعمدة الرأي

أنين الأنامل   د. الهادي خضر درمه   يكتب صبرا اهل (الفاشر وغزه) فالنصر قادم

الضميرالعالمي في اختبار ففي عالمٍ يضجُّ بالصراعات وتتوالى فيه المآسي، تبرزُ قصصهم هو تتشابهُ في عمقِ الألمِ ومرارةِ الحصار، وإن اختلفتْ جغرافيةُ المكانِ وتعددتْ أسبابُ النزاع. بين الفاشر وغزة، تتجلى حكايةٌ واحدةٌ تتجسدُ فيها أقصى درجاتِ المعاناةِ الإنسانيةِ، وقصصُ صمودٍ أسطوريةٍ تُسطّرُ بمدادِ الدمِ والعرقِ والجوع. إنه أنينُ الأناملِ التي لا تزالُ تقاومُ، وصرخةُ الضميرِ التي يجبُ أن تُسمعَ في أروقةِ العالمِ أجمع.حصارٌ خانقٌ ومعاناةٌ لا تُطاق تتشاركُ الفاشر وغزة في قدرٍ قاسٍ يفرضُ عليهما حصاراً خانقاً، يحرمُهما من أبسطِ مقوماتِ الحياةِ الكريمة. في الفاشر، المدينةُ التي تختنقُ تحتَ نيرانِ المليشيات والاشتباكاتِ وتواطؤِ العالم، توقفتْ المطابخُ الخيريةُ والتكايا التي كانتْ شريانَ حياةٍ لمئاتِ الآلاف. لقد بلغَ الوضعُ الإنسانيُّ حداً لا يُطاق، حيثُ اضطرَّ الكبارُ قبلَ الصغارِ إلى أكلِ أعلافِ الحيواناتِ في مشهدٍ يدمي القلوبَ ويُشعلُ الغضبَ في النفوس. إنها فظائعُ إنسانيةٌ قد ترقى إلى جرائمِ حربٍ،ترتكبها مليشيات الدعم الصريع والمجتمعُ الدوليُّ يقفُ متفرجاً، أو في أحسنِ الأحوالِ، يكتفي ببياناتِ الشجبِ والإدانةِ التي لا تُسمنُ ولا تُغني من جوع.أما في غزة، فالصورةُ لا تختلفُ كثيراً في قتامتها. فالحصارُ المفروضُ منذُ سنواتٍ طويلةٍ، والذي اشتدَّ وطيسُهُ معَ العدوانِ الأخير، قد حوَّلَ القطاعَ إلى سجنٍ كبيرٍ يعيشُ فيه أكثرُ من مليوني إنسانٍ تحتَ وطأةِ الجوعِ والمرضِ والدمار. لقد بلغَ الوضعُ الإنسانيُّ في غزة أسوأَ حالاتِهِ منذُ بدءِ الحرب، حيثُ مُنعَ دخولُ المساعداتِ الإنسانيةِ لأكثرَ من شهرٍ ونصف، في أطولِ فترةِ توقفٍ للإمداداتِ حتى الآن. لقد رأينا بأعيننا مدنيينَ جوعى أنهكهم الحصارُ يُقتلونَ وهم ينتظرونَ رغيفَ خبزٍ، في مشهدٍ يلخصُ حجمَ المأساةِ التي يعيشها أهلُ غزة يومياً. إنها مأساةٌ إنسانيةٌ تتفاقمُ يوماً بعدَ يوم، وتُكشفُ عن وجهٍ قبيحٍ للعالمِ الذي يدَّعي الإنسانيةَ وهو يغضُّ الطرفَ عن هذهِ الجرائمِ البشعة.صمودٌ أسطوريٌّ في وجهِ المحن على الرغمِ من قسوةِ الحصارِ ومرارةِ المعاناةِ، يبرزُ صمودٌ أسطوريٌّ لأهالي الفاشر وغزة، يجسدُ أسمى معاني التحدي والإصرار على الحياة. في الفاشر، أطلقَ الأهالي حملةَ “أنقذوا الفاشر”، وصدحتْ حناجرُهم بشعارِ “الجوعُ كافرٌ والصمودُ واجب”. إن هذا الصمودَ ليسَ مجردَ شعاراتٍ، بل هوَ فعلٌ يوميٌّ يتجلى في مقاومةِ اليأسِ والتمسكِ بالأمل، وفي الحفاظِ على النسيجِ الاجتماعيِّ رغمَ كلِّ محاولاتِ التفكيكِ والانهيار والدمار. لقد أثبتَ صمودُ الفاشرِ أنهُ الدرعُ الواقيُّ الذي منعَ انهيارَ ولاياتٍ أخرى، وهوَ دليلٌ على أنَّ إرادةَ الشعوبِ الحرةِ لا تُقهر وتقف بكل صلابه خلف جيشها وقواته المشتركة ضاربين أروع الأمثال في التضحيه والفداء.وفي غزة، تتجلى صورُ الصمودِ في كلِّ زاويةٍ، وفي كلِّ بيتٍ، وفي كلِّ قلبٍ. فبالرغمِ من الدمارِ الشاملِ والخسائرِ البشريةِ الفادحةِ، لا يزالُ الشعبُ الفلسطينيُّ متمسكاً بأرضهِ وهويتهِ، يرفضُ التهجيرَ والنزوحَ، ويُعيدُ بناءَ ما دمرتهُ آلةُ الحربِ بكلِّ عزيمةٍ وإصرار. إنَّ رسائلَ الصمودِ التي يبعثُها أهالي غزة للعالمِ، رغمَ كلِّ الصعوباتِ، هيَ شهادةٌ على قوةِ الإيمانِ وعمقِ الانتماء، وهيَ تذكيرٌ بأنَّ الحقَّ لا يموتُ ما دامَ هناكَ من يدافعُ عنه.رسائلُ إلى المجتمعِ الدوليإنَّ ما يحدثُ في الفاشر وغزة ليسَ مجردَ أزماتٍ إنسانيةٍ عابرةٍ، بل هيَ انتهاكاتٌ صارخةٌ للقانونِ الدوليِّ الإنسانيِّ، وجرائمُ حربٍ مكتملةُ الأركانِ تستدعي وقفةً جادةً من المجتمعِ الدوليِّ. لقد آنَ الأوانُ لكيْ يتجاوزَ هذا المجتمعُ بياناتِ الشجبِ والإدانةِ، وينتقلَ إلى مرحلةِ الفعلِ الحاسمِ. يجبُ أن تُرفعَ الأصواتُ عالياً للمطالبةِ بوقفِ فوريٍّ للحصارِ على الفاشر وغزة، وفتحِ جميعِ المعابرِ لإدخالِ المساعداتِ الإنسانيةِ دونَ قيدٍ أو شرط. يجبُ أن يُحاسبَ كلُّ طعنوا الأوطان من الخلف علي هذهِ الجرائمِ، وأن يُقدمَوا للعدالةِ الدوليةِ لينالَ جزاءَهُ العادل.إنَّ صمتَ المجتمعِ الدوليِّ وتواطؤَهُ، أو حتى تقاعسَهُ، هوَ مشاركةٌ في هذهِ الجرائمِ. فدماءُ الأبرياءِ في الفاشر وغزة هيَ وصمةُ عارٍ على جبينِ الإنسانيةِ جمعاء. إنَّ أنينَ الأناملِ في هاتينِ المنطقتينِ هوَ نداءٌ أخيرٌ للضميرِ العالميِّ، فهلْ منْ مجيب؟ هلْ ستُسمعُ هذهِ الصرخاتُ قبلَ فواتِ الأوان؟ إنَّ التاريخَ سيسجلُ مواقفَنا ومواقف قواتنا المسلحه مجتمعه، ولنْ يرحمَ المتخاذلينَ والصامتينَ عن الحق.

اذا أمد الله في الاجال سنعود.

زر الذهاب إلى الأعلى