كابتن محمد حسن الطاهر يكتب الهداية بالإيمان والخذلان بالظلم

منذ الأزل، كان القول مرآةً خفية لما يسكن الصدور. فالإيمان، على عمقه وتجذره، لا يظهر إلا حين يُستدعى اللسان ليعبر عنه، إذ “المرء مخبوء تحت لسانه”، كما ورد في التراث. وليس غريبًا أن يوصف النبي ﷺ من قِبل الأعرابي بصيغة المضمر “هادٍ يرشدنا الطريق “، ففي هذا الاختيار البلاغي إشعار بأن الهداية لا تأتي بالصوت العالي، بل بالقدوة التي ترشد الطريق في صمت الحكمة.
*🗣️ القول… دليل الباطن*
يقول سيدنا عليٌّ كرّم الله وجهه: “إذا أردت أن تعرف باطن الرجل فاختبر ظاهره”، وهنا تتجلى الحكمة؛ فالظاهر لا يخدع من كان بصيرًا، إذ أن الأقوال لا تنفك عن الأفعال، وأحيانًا تسبقها وتفضح نواياها. فقوله تعالى: _”أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون”_ جاء بعد التصريح بقولهم _”إنا لله وإنا إليه راجعون”_ ، فكلمة واحدة صادقة قد تفتح أبواب الهداية، إن خرجت من قلب مؤمن لم يُلبس إيمانه بظلم.
*⚖️ الهداية بين القول والعمل*
هل حسن القول وحده كافٍ؟ أم أن الهداية نتيجة لمجمل السلوك؟ الواقع أن التكلف عن الظلم كفعل سلبي لا يتطلب منّا أكثر من الكف، لكنه وحده لا يكفي. فالهداية تزهر حين يجتمع حسن القول مع الفعل الصادق، ويكون الامتناع عن الظلم خطوة أولى نحو الأمن الداخلي؛ كما في قوله تعالى: _”الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون”_.
*🧭 بين الاختيار والإعانة الإلهية*
الهداية تُرجى وتُطلب، لكنها لا تُنال إلا بإذن الله، _”والله لولا الله ما اهتدينا”_. فهي بين نسبية اختيار الإنسان وحتمية العون الرباني، حيث يُهيَّأ القلب لتقبُّل الطريق، ثم يُؤذن له بالسير فيه.
*🏛️ القول والفعل في عالم السياسة*
السياسة، بما لها من تأثير واسع، تكشف مدى النسبة والتناسب بين القول والفعل. فالهداية العامة تتحقق حين تزداد نسبة “فليقل خيرًا”، وحين يُقرن القول بالفعل، وتُصبغ القرارات بالقيم لا بالمصالح فقط.
والخذلان لا يأتي من غياب القول، بل من التناقض بينه وبين الفعل.
*🌓 الخذلان بالظلم*
في عالمٍ تتزاحم فيه الأصوات وتتباين فيه المواقف، يظل الظلم هو الجرح الأخطر، ليس لأنه يُسفك حقًا أو يُقصى عدلًا فحسب، بل لأنه يحوّل الروح من موطن للأمل إلى ساحة للخذلان. وليس الخذلان هنا فقط من الناس، بل هو قبل ذلك خذلانٌ إلهي، يُقصي الظالم من نهر الهداية، ويقطع عنه أسباب السكينة.
*💔 الظلم طريقٌ إلى العزلة*
من يظلم، وإن ظن أنه انتصر، قد ربح موقفًا لكنه خسر جوهرًا. فالظالم يُقصى من دعوات الصالحين، وتُغلق أمامه أبواب التوفيق. وقد قيل في الأثر: _”اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب”_. فإذا ظُلِم المرء، فذلك ابتلاء، أما إذا ظلم فهو اختبار خُذل فيه القلب، وانحرف فيه الضمير.
*⚖️ الخذلان ليس عقوبة، بل نتيجة*
الله لا يخذل عبدًا إلا إذا أبى التوبة وأصر على الجور، فالهداية مشروطة بالعدل، كما في قوله تعالى: _”الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون”_. فحين يختلط الإيمان بالظلم، يُنتزع الأمن، وتضيع البوصلة.
*🔥 آثار الظلم في المجتمع*
الظلم لا يُؤذي فردًا فقط، بل يُخلخل الثقة ويزرع الشك، ويخلق بيئة يسود فيها الغضب والخوف. والخذلان الناتج عنه لا يكون فرديًا، بل جماعيًا؛ إذ تُخذل الأمة حين تُرفع رايات الباطل، وتُصادر الأصوات الحرة، ويُكافأ الطغيان بالصمت.
*🌿 طريق النجاة*
العدالة ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل هي صِمام أمان روحي، إذ هي الطريق الوحيد لتجنب خذلان الله والناس. فحين يكون الإنسان عادلًا، يُضاء قلبه، وتُبارك خطواته، ويكون قوله فعلًا، وفعله رحمة، ووجوده سببًا للهداية.
-التاريخ : اغسطس، 5, 2025


