أعمدة الرأي

كابتن محمد حسن الطاهر يكتب السياسة وبرمجة العقل على مخالفة العقل

 

في عالم تتشابك فيه خيوط السلطة والمعرفة والنفس، تقف السياسة كفنٍّ يُحاول أن يُعيد تشكيل العقل البشري. عنوان هذا المقال ليس مجرد تناقض لفظي، بل استكشافٌ لتداخلات معقدة بين الإدراك، الهوية، والتحكم في التفكير.

 

 

*🧠 تعريف العقل وعلاقته ببرمجة العقل*

 

العقل هو مركز الإدراك، التحليل، والتمييز بين الصواب والخطأ. هو ما يُمكّن الإنسان من اتخاذ قراراته بناءً على تراكم التجربة والمعرفة. لكن حين تتدخل السياسة، تصبح هناك محاولة مستمرة لإعادة برمجة هذا العقل؛ ليس نحو التنوير، بل نحو التوجيه المسبق.

البرمجة السياسية للعقل هي عملية تغرس أنماطًا فكرية معيّنة، تُعيد تعريف المفاهيم الأساسية كالحرية، العدالة، والخوف، بما يتماشى مع أهداف سلطوية أو إعلامية. وهنا، يحدث أن يُدفع العقل إلى مخالفة ذاته: أن يرفض المنطق، ويقبل التضليل، لا لأن العقل اختار، بل لأنه تدرّب على ذلك باستمرار.

 

—

 

*🪞 مفارقة العقل بين الأنا والأنا العليا*

 

داخل الإنسان يسكن صراعٌ دائم بين “الأنا” التي تمثل الرغبة والاندفاع، و”الأنا العليا” التي تمثل الأخلاق والوعي. السياسة الناجحة – أو الخادعة – تلعب على وتر هذه المفارقة.

حين تُغذّى “الأنا” بالخوف أو الطموح أو الطائفية، تصمّ الآذان عن صوت “الأنا العليا”. وهنا، العقل لا يختار بناءً على الحكمة، بل بناءً على الانجذاب نحو الذاتية. يُصبح الفرد مسيَّرًا وليس مخيَّرًا، فيعتقد أنه يُفكر بعقله، بينما هو يكرر ما بُرمج عليه مسبقًا.

 

—

 

*🤝 العقل بين المعانقة والمفارقة*

 

في السياسة، العقل إما أن يُعانق الحقيقة أو يُفارقها.

المعانقة تعني المصالحة بين الإدراك الحر والواقع، حيث يُمنح العقل مساحة للفهم والتقييم دون ضغط أو تضليل. أما المفارقة، فحدثت عندما يُستبدل العقل النقدي بعقل جماهيري، يُصفق دون أن يُفكر، ويخاف من السؤال أكثر من الجواب.

المفارقة الأخطر حين يُقنع الإنسان نفسه أنه عقلاني لمجرد أنه يُتابع ويحلّل، بينما هو يعيد إنتاج خطاب تم التلاعب به مسبقًا.

 

—

 

في نهاية المطاف، يُطرح سؤال جوهري: هل نمتلك عقولنا فعلًا؟ أم أن السياسة نجحت في برمجتها على مخالفتها؟

العقل الحر هو ذلك الذي يشك، يسأل، ويُعيد النظر. أما العقل المبرمج، فهو ما ينقاد وهو يعتقد أنه يقود.

ولعل أعظم مقاومة نمارسها في وجه تزييف السياسة هي أن نُعيد برمجة العقل… ليعود إلى ذاته.

التاريخ:6 اوغسطس، , 2025

زر الذهاب إلى الأعلى