أعمدة الرأي

فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد يكتب علمني كيف أفكر… لاتلقني ماذا أقول!! 

 

في زمن مضى، لم يكن التعليم في مدارسنا مجرد مقاعد خشبية وكتب جامدة، بل كان مغامرة يومية ونافذة على العالم، وتجربة حيّة تزرع في التلميذ حبّ المعرفة منذ أول لحظة.

_ محطات وتجارب لا تُنسى في محطات الدراسة

_في مدرسة سنجة الابتدائية الشرقية، ونحن في الصف الثالث الابتدائي عام 1969،_ _أُجريت أمامنا عملية تشريح الضفدعة، ونحن لا نتجاوز التاسعة من العمر. كنّا مبهورين_ بما نشاهد، نحن نتابع بتركيز ذهني شديد وحماس لمعرفة تفاصيل التجربة، وهي بالفعل كسرٌ لروتين الحفظ والتلقين، وتجسيد للمثل القائل: التجربة خير برهان.

_لم تقف التجارب عند ذلك؛ فقد أجرينا أيضًا تجربة الضغط الأسموزي، ولا تزال تفاصيلها حاضرة في أذهاننا حتى اليوم، لأنها تعلّمنا عبر المشاهدة_ والتطبيق لا عبر السطور وحدها ومن وسائل التعليم هي ان يقص علينا المعلم قصة ونحن نعيش معه القصة تمثيلاً.

قال تعالى :﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: 31]

هذه الاية تبين التعليم وتدريب الإنسان كيف تدفن الموتى

*المدونة الطبيعية*

تم منحنا “المدونة الطبيعية” – وهي دفتر صغير او ما يسمى المفكرة اليومية ندوّن فيه ملاحظاتنا بالرسم أو الكتابة عن كل ما نشاهده في الطبيعة: المطر، السحب، الطيور، الأشجار… مما نمّى فينا مهارات الملاحظة والبحث.

*يوم المكتبة**

 

ومن الأنشطة المميّزة كان يوم المكتبة، حيث يُمنح كل تلميذ كتابًا يقرأه ثم يقدّم ملخصه لزملائه في فناء المدرسة أو تحت ظلال البرندات ومن بين المجلات مجلة الصبيان َشخصية {عمو تنقو}

*وفي الصف الأول، كانت طريقة تعليم* الحروف عبقرية في بساطتها: كتابة الحرف على ورقة صغيرة باستخدام الصمغ والرمل، نحمله معنا ونردده، ثم نكتبه لاحقًا في الكراسة.

*تعليم شعائر الحج*

وفي الصف الثالث، تعلّمنا شعائر الحج عمليًا بوضع الحصى والحجارة الملوّنة على الأرض، نمثل الطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة، وكأننا نؤدي المناسك بالفعل… فترسخت المعلومات في عقولنا.

*أول صعود للمسرح*

في عام 1971، بالفصل الرابع الابتدائي في كاب الجداد،بولاية الجزيرة محلية الكاملين شاركت لأول مرة في نشاط الجمعية الأدبية والثقافية عبر فقرة “القبعة” – أسئلة تُطرح على الحضور والفائز ينال جائزة رمزية، أعددت المسابقة وطرحت الأسئلة على الحضور من التلاميذ والأساتذه واهل المنطقة بعد انتهائى من المسابقة وجه الاستاذ فاروق الحضور بالتصفيق ، وأشاد بأدائي، وقدّم لي جائزة عبارة عن كراسات، كانت تلك اللحظة نقطة تحوّل، إذ منحتني شجاعة أدبية وثقة بالنفس.

المرحلة الثانوية… انطلاقة أوسع

في مدرسة الحصاحيصا الثانوية العامة الشرقية 1975م كنت رئيس الجمعية الأدبية والثقافية، وكان سكرتيرها صديقي المرحوم عثمان الأمين أبو قناية. أما المشرف علي الجمعية الأدبية والثقافية فكان الأستاذ مصطفى سيد أحمد رحمه الله كان – شاعراً، رساماً، و مغنٍ، ورياضي بارع في الكرة الطائرة ، كان أول من يدخل وآخر من يغادر المدرسة، كان مرشدًا وموجهًا حقيقياً، علّمنا فن الخطابة على المسرح، وأطلق مواهبنا.

المدرسة كانت مجهزة بمعمل مكتمل، والأنشطة شملت التمثيل، الإذاعة المدرسية، المعارض، الرياضة، ودروس العصر والمذاكرة المسائية المجانية.

هذه التجارب صقلت شخصيتنا كجيل ،ومنحتنا َمهارات وقدرات رفعت كفاءتنا العملية كضباط شرطة وأساتذه جامعيين ، نقدّم المحاضرات بثقة واستمتاع.

التعليم في الأمس واليوم

التعليم في الستينيات والسبعينيات كان يهدف لبناء إنسان مفكّر، يملك المهارة قبل الشهادة، اليوم للأسف صار التعليم استثمارًا تجاريًا، يعتمد على التلقين والحفظ، بعض الأساتذة يلخصون المقررات في “مذكرات” تُباع للطلاب، ان رغب الطالب على النجاح عليه تجويد حفظ هذه محتويات المذكرة،

الطالب الجامعي يتم اعداده ليصبح باحثا في مجاله والا انه اليوم صار الطالب الجامعي بلا تجربة مخبرية، وليس لديه قدرة على البحث أو النقاش، وكأن المطلوب منه أن يكون ببغاءً يكرر بلا فهم، وهذا لايعني ان جميع الجامعات غير مجهزة هنالك جامعات علي مستوي مقبول.

المطلوب للإصلاح

إعادة المعامل، والتجارب العلمية، وربط التعليم بالحياة.

إعادة الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية للمناهج.

تدريب المعلمين ليكونوا موجهين ومرشدين لا ملقنين.

غرس مهارات التفكير النقدي، لا الاكتفاء بالحفظ.

قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: 31]

 

خاتمة

 

التعليم الذي لا يعلّم الطالب كيف يفكّر هو تعليم ناقص، ولو غلّف بالطباشير والشهادات، المطلوب اليوم أن نعيد جوهر التعليم ليكون محرّكًا للعقل، لا مقبرةً للأفكار.

 

التلاميذ ليسوا ببغاوات… بل عقول قادرة على الإبداع إذا منحناها الفرصة.

 

والله ولي التوفيق..

اغسطس 2025

زر الذهاب إلى الأعلى