أعمدة الرأي

فريق شرطة(حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب مكانة المحكمة الدستورية وإدارة القضاء والعدالة في السودان(14)

 

عقل وأدوات ومنهجيات المحامي أمام بين قاضي المحكمة الدستورية وأمام قاضي المحكمة العادية بمستوياتها(2/ 2)

 

من ما قيل عن المحامي والمحاماة، أن المحاماة مهنة النبلاء والأقوياء، والعبارة لها معنى ومفهوم عميق، فمن حيث المعنى؛ يُقصد بالعبارة أن مهنة المحاماة، ليست مجرد وظيفة، بل رسالة ذات بُعد أخلاقي وقيمي. فهي مهنة النبلاء، لما تتطلبه المهنة من سموّ في الغاية، ورفعة في السلوك، والتزام بالمُثل العُليا كالعدل والحرية والكرامة الإنسانية. وهي أيضاً مهنة الأقوياء، لما يستلزم المحامي من شجاعة وإقدام في مواجهة الخصوم، وصلابة وقوة ومنعة في الدفاع عن الحقوق، وقدرة على الصمود أمام الضغوط والتحديات والاغراءات – أي كانت تلك الاغراءات. والمحاماة من حيث المفهوم، تُفهم باعتبارها مهنة تجمع بين بعدين أساسيين: أول البعدين، البعد الأخلاقي – الإنساني (ويتمثل في النُبل والطُهر والصدق وجميل السلوك)، حيث يرتبط المحامي بالقيم الكبرى للعدالة، ويؤدي رسالته، بروح من النزاهة، والإيثار، وخدمة المجتمع. وثاني البعدين، البعد المهني – العملي (القوة)، حيث يتطلب من المحامي الإلمام الواسع بتشريعات القوانين، وامتلاك أدوات الحجة والإقناع، ومواجهة المظالم بجرأة وثبات.

وعليه، فإن وصف المحاماة بأنها (مهنة النبلاء والأقوياء)، وصف يجمع بين البُعد القيمي الذي يرفع من شأن المهنة أخلاقياً، والبُعد العملي الذي يرسّخ دور المحاماة والمحامي كقوة مدً عدلي حقوقي فاعلة، تشتغل في حماية الحقوق، وصيانة الحريات، وإقامة العدل بين الناس حاكمين ومحكومين.

ومسرد سرديات عقل وفلسفة وأدوات ومنهجيات وفكر القانون عند المحامي، أمام قاضي المحكمة الدستورية وأمام قاضي المحكمة العادية بمستويات درجاتها. فهي من حيث تعريف المسرد (لغة)؛ المسرد هو قائمة أو سجل منظّم لموضوعات أو مفاهيم أو مصطلحات، تأتي عادة في شكل ترتيبي (مثل القاموس أو الفهرس أو الكشاف). والسرديات (لغة)، يُقصد بها الخطابات أو الحكايات والروايات أو أنماط العرض التي تروي أو تشرح الفكرة، وتكشف عن منطقها الداخلي ومراحلها، وبخاصة في العلوم الإنسانية والقانونية. وبينما السردية (لغة)، تعني السردية الطريقة التي تُبنى بها القصة والرواية أو الفكرة أو الحجة. ومفهومه المصطلحي التقني الفني، أن عقل المحامي يقوم على مزيج من الفكر القانوني التحليلي والمهارة العملية، بحيث يتحدد دور عقل المحامي، بحسب طبيعة الجهة القضائية التي يقف أمامها.

وللتوضيح أكثر، المفهوم الاصطلاحي لعبارة مسرد السرديات يعني: قائمة منهجية أو خارطة ذهنية منظمة، تجمع مختلف الروايات الفكرية والحجاجية / الحجج والاسانيد من الواقع والقانون، بما يشمل: عقل المحامي (طريقة ونمط تفكيره)، فلسفة المحامي(المبادئ التي يؤمن بها)، فكر القانون عند المحامي (منهجه في الاستدلال والتحليل للقاعدة التشريعية والوقائع)، أدوات المحامي المهنية (النصوص التشريعية، السوابق القضائية، الحجج البلاغية، الأدوات الإجرائية)، بحيث يتم تنظيم هذه السرديات بالجملة في مواجهة المستويات القضائية المختلفة.

ومسرد سرديات عقل المحامي، ليس مجرد فهرسة، بل هو خريطة معرفية، توضّح كيف يتحرك عقل المحامي في بناء الحجج عبر مستويات القضاء، وكيف يستخدم الأدوات والمنهجيات القانونية المناسبة لكل ساحة ومرحلة ودرجة قضائية. وبتعبير آخر: مسرد سرديات عقل المحامي، هو جدول أو قائمة في ذهنية المحامي، يسترجعها عقل باطن المحامي، لتوضح أنماط تفكير وعرض حججه وأسانيده من الواقع والقانون، وتقديم وعرض فلسفته في الإقناع، وسلاح أدواته القانونية المختلفة التي يستخدمها، وجميعها، كلية لكتلة معرفية موزعة حسب مستويات درجات القضاء المختلفة.

وبيان موجز تفصيلي، نتناول من خلاله عقل عمل المحامي، أمام قاضي المحكمة الدستورية، وأمام قاضي المحكمة العادية في محكمة الموضوع الابتدائية، وقاضي محكمة الاستئناف، وقاضي دوائر المحكمة العليا في النقض والمراجعة والفحص، وذلك على النحو الآتي:

(أولاً) أمام قاضي المحكمة الدستورية:

———————-

يركّز عقل المحامي على البنية الدستورية للنصوص التشريعية، فيوازن بين النص التشريعي والعدالة والقيم العليا. وأدواته: التفسير الدستوري، والمقارنة مع المعايير الدولية، وإبراز المبادئ فوق التشريعية والفوق الدستورية. ومنهجيته: مقاربة فلسفية – حقوقية، تستند إلى المشروعية العليا وسيادة الدستور. وفكره تأويلي، نقدي – مقارن. وفلسفته القانونية، حماية السمو الدستوري، وتعزيز حماية الحقوق والحريات. وحجج واسانيد المحامي، حماية العقد الاجتماعي، وأن الدستور ليس نصوصًا جامدة بل روح الأمه، مستعرضاً الحجج والأسانيد ببلاغة قيمية- مبدئية، تقوم على استدعاء الشرعية الدستورية، واستخدام لغة الحقوق والحريات، وبيان الحجج والاسانيد بخطاب عام يعلو على الجزئيات.

أي بمعنى آخر موجز أكثر شمولاً، عقل المحامي أمام المحكمة الدستورية؛ عقل بنيوي – معياري – قيمي، يبحث في التوازن بين النصوص الدستورية والحقوق الأساسية. والاستراتيجية التي يتبناها المحامي؛ هو رفعه دعوى دستورية من زاوية مبدئية (بطريق الدفع بعدم الدستورية)، لإبطال نص تشريعي أو تأويله، أو لإبطال حكم قضائي إنتهائي صادر أمام محاكم القضاء العادي، بما يحمي الحقوق والحريات. والمنطق الذي يرتكز عليه المحامي في عمله، منطق معياري Normative، ومنطق قيمي Value-oriented؛ يعتمد على روح الدستور، والسوابق المقارنة، والمبادئ الكونية. ومن حيث الفكر القانوني للمحامي؛ فهو فكر قانون حقوقي – فلسفي؛ يميل إلى القانون الطبيعي Natural Law أو التفسيرات الواسعة التي تعزز العدالة (ومثال توضيحي الطعن في قانون يقيد حرية التعبير، باعتباره مخالفًا للدستور. وبذلك المحامي أمام قاضي المحكمة الدستورية، هو فيلسوف الحقوق والحريات، يأخذ بسردية حماية الدستور والحقوق والحريات. وبالتالي يمكن القول، أن سردية المحامي أمام قاضي المحكمة الدستورية؛ سردية حماية بنية الدستور الـ Constitution Structure والحقوق والحريات الـRights of Bill .

وواقع وتطبيق عملي، بالنظر في طبيعة القضية المرفوعة من المحامي أمام المحكمة الدستورية، المحامي، لا يطعن في الوقائع، ولا يطعن في التقدير القضائي للأدلة والبينات، كما يفعل المحامي في المحاكم العادية. إنما يركّز على مدى دستورية النص التشريعي والقانوني الذي بُني عليه الحكم القضائي المطعون فيه دستورياً، أو مدى احترام الحكم القضائي للحقوق والحريات الدستورية. وهنا وكما سبق الاشارة له، عقل المحامي عقل تجريدي – مبدئي، لا يتعامل مع الوقائع الفردية، بل إنما يتعامل مع المبادئ الكلية القيمية العليا. بأن ينظر إلى النصوص الدستورية ومبادئ العدالة الدستورية، باعتبارها المعيار العدلي الأعلى.

وعليه، فلسفة المحامي، تقوم على أن الدستور هو القانون الأسمى(الأعلى)، وأن كل حكم قضائي أو تدبير تنفيذي أو تشريعي، يجب أن يكون منسجماً مع الدستور. ويسعى المحامي لإقناع المحكمة الدستورية بأن الحكم القضائي المطعون فيه أو التدابير التشريعية والتنفيذية المطعون فيها، يؤدي إلى انتهاك حق دستوري (مثل الحق في المحاكمة العادلة، المساواة، الملكية، حرية التعبير). ولذلك، الفكر القانوني للمحامي فكر دستوري، يوازن بين النصوص الدستورية والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ويعتمد على المبادئ فوق- القانونيةSupra-legal Principles مثل سمو الدستور، ووحدة الدولة، وحماية الحقوق الأساسية. والأدوات التي يستخدمها هي النصوص الدستورية (فصول / مواد الحقوق والحريات)، والمبادئ التفسيرية الدستورية (التناسب، الملاءمة، الضرورة، حماية جوهر الحق)، و السوابق الدستورية (أحكام سابقة للمحكمة الدستورية أو محاكم دستورية مقارَنة)، و المواثيق الدولية ذات القيمة الدستورية (مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية). والحجج والأسانيد التي يجادل بها المحامي في الاحكام القضائية أمام قاضي المحكمة الدستورية، لا يقول أن المحاكم العادية أخطأت في تقدير الوقائع والأدلة والبينات، بل يقول النص التشريعي من القانون الذي استندت إليه المحاكم العادية، أو التطبيق للنص التشريعي للقانون الذي جرى في الحكم القضائي المطعون فيه، يتعارض مع الدستور، ويؤدي إلى انتهاك حق دستوري. ومثال: في قضية مدنية، يحاجج المحامي بالقول؛ أن الحكم القضائي المطعون فيه الصادر بحرمان موكلي من الطعن فيه أمام المحاكم العادية خالف المادة (… من الدستور)، وهي المادة التي تكفل حق التقاضي أو التي تكفل حق المحاكمة العادلة. وفي قضية جنائية يحاجج المحامي بالقول الحكم القضائي المطعون فيه، بُني على نص تشريعي يقيّد حرية التعبير بشكل يتعارض مع الدستور ومع المادة (19) من العهد الدولي، وهكذا ……. بحسب طبيعة أي قضية دعوى قضائية.

(ثانيا) أمام قاضي المحكمة العادية بمختلف مستويات درجاتها:

———————-

عقل عمل المحامي أمام قاضي المحاكم العادية، تتدرج من؛ سردية الواقعة أو الرواية الفردية (الابتدائية)، ثم سرديات حجج نقد الحكم أو التدبير القضائي وإعادة صياغته (أمام قاضي محكمة الاستئناف)، ومن ثم، صحة القانون واستقرار النظام القضائي (أمام قاضي المحكمة العليا). فالواقعة الفردية هنا، هي أساس الدعوى القضائية، وهي القصة أو الرواية الواقعية المحددة المنشئة للحق إدعاءاً التي يبدأ منها المحامي عمله أمام المحكمة الابتدائية (محكمة الموضوع)، ومن ثمّ، ينطلق متدرجاً المحامي أمام قاضي محكمة الاستئناف، لإعادة تقديم الواقعة والحكم القضائي لمحكمة الموضوع بشكل جديد ومغاير، من خلال النقد، وبيان إبراز الأخطاء والثغرات في الحكم الأول لمحكمة البداية / الموضوع / الابتدائية. ومن ثمّ، عرض القضية أمام المحكمة العليا في دوائر النقض، لتراجع صحة تطبيق القانون وتفسيره. وأمام دوائر المراجعة في المحكمة العليا: لتعالج الأخطاء الجوهرية التي قد تكون وقعت في الحكم المطعون فيه. وأمام دوائر الفحص: لتفحص احكام دوائر المراجعة، أو فحص الطعون في الأحكام (بحسب بعض الأنظمة)، بغربلتها وتصفيتها وفلترتها، لتقرير جديتها، وقبولها من عدمه. وخلال مراحل الاستئناف والنقض، يتركز عمل المحامي على القانون كمعيار جامع، وليس على تفاصيل الوقائع فقط.

1. أمام قاضي محكمة الموضوع (الابتدائية):

———————-

ينصرف فكر المحامي إلى عرض الوقائع وتكييفها القانوني بدقة. وأدواته: الإثبات، الشهود، المستندات، وصياغة الدفوع الشكلية والقانونية. ومنهجيته: تطبيق مباشر للقانون على الوقائع لإقناع القاضي بحجية الدعوى أو الدفاع. ولذلك، عقل المحامي أمام قاضي محكمة الموضوع، عقل تحليلي – إجرائي؛ يركز على الوقائع والأدلة. واستراتيجيتة؛ إدارة الدعوى القضائية عبر الأدلة والشهود والدفوع الإجرائية. والمنطق، إجرائي Procedural وتحليلي Analytical. والفكر القانوني، وضعي Positivist؛ يعتمد على النصوص الماثلة وتطبيقها المباشر، ومثال له (الدفع ببطلان القبض، أو إظهار تناقض الشهود في قضية جنائية).

أي المحامي أمام محكمة الموضوع، هو مهندس الوقائع والأدلة، لإعتبار المحامي يشتغل بالتفاصيل (إجراءات + وقائع)، بسردية إستعراض الوقائع والنصوص التشريعية المباشرة. وبحجية القانون يجب أن يُطبّق على وقائع محددة، بعد التثبت من صحته. وأسلحة أدواته، إستخدامه قانون الموضوع، والوقائع، والشهادات من اقوال الشهود، والدفوع الشكلية. وفكره، فكر نصي، إجرائي. وفلسفته، فلسفة العدالة الفردية المباشرة. وعقل طريقة التفكير، عقل وصفي- تطبيقي، مركّز على الوقائع والتكييف من القانون. وحجج أسلوبه البلاغي في الاقناع، بلاغة سردية – واقعية، بعرض الوقائع بشكل قصصي روائي وحكي مقنع، وبلغة بسيطة وواضحة، وبالتركيز على التفاصيل بدقة، باسلوب بلاغي يركّز على إقناع القاضي بالوقائع أكثر من التنظير.

وجانب عملى عام، عقل المحامي أمام محكمة الموضوع (الابتدائية)، عقل وصفي- تطبيقي، يعتمد على إثبات الوقائع وتكييفها القانوني. والفلسفة: تحقيق العدالة الفردية المباشرة. والفكر القانوني: نصي- إجرائي، مرتبط بتطبيق القانون على وقائع محددة. والأدوات والوسائل التي يستخدمها، تتمثل في الوقائع والبينات والشهادات، ونصوص قانون الموضوع، والدفوع الشكلية والإجرائية. والسردية الحجاجية: أن الوقائع صحيحة، وتكييفها القانوني يقود بالضرورة إلى أن ينال حكم لصالح موكله. والبلاغة اللغوية التقديمية للواقعات: سردية – واقعية، بعرض الوقائع بشكل قصصي روائي منطقي ومقنع. ومثال عملي توضيحي له، منازعة مدنية على ملكية ارض، الواقعة الفردية موضوع وسبب الدعوى: نشوء نزاع بين شخصين على ملكية قطعة أرض. وبالتالي، سردية المحامي في الإثبات والنفي، يقدّم مستندات الملكية (عقد البيع، أو شهادة بحث، أو إيصالات سداد). ومن ثم، يستعين بشهود لإثبات حيازة الأرض. وحجته: الدفع بأن موكله هو المالك الشرعي لقطعة الأرض، وأن الوقائع والبينات تثبت ذلك بوضوح. والتركيز من المحامي على الوقائع والتفاصيل المباشرة. ومثال آخر في دعوى جنائية في واقعة سرقة، المحامي يركّز على الوقائع، بإدعاء أن المتهم كان في مكان آخر وقت الجريمة، ويقدم شهود النفي، ويستند على البينات التقنية والفنية(مثل تسجيل الكاميرات على سبيل المثال).

2. أمام قاضي محكمة الاستئناف:

———————-

يتجه عقل المحامي إلى نقد الحكم الابتدائي، وإبراز أوجه الخطأ في التطبيق في القانون أو خطأ التقدير للوقائع، والتقدير والوزن السليم لأدلة البينات. ببلاغة لغة قانون نقدية – تحليلية، بتفكيك الحكم الصادر من قاضي محكمة الموضوع، لإبراز الثغرات، بلغة قانون مقنعة قائمة على المراجعة العقلية. وبسردية حججاجية، الحكم القضائي ليس نهائياً، بل قابل للنقد والمراجعة. وأدواته والوسائل التي يستخدمها؛ التحليل المقارن بين الوقائع والقانون، وإظهار التناقضات، وصياغة دفوع جديدة، اعتماداً على نصوص الاستئناف، وعلى السوابق القضائية. ومنهجيته: الجمع بين الدفاع عن الوقائع وإعادة بناء الحجة القانونية على مستوى أعلى. وفكر قانوني، مقارن، جدلي. وبفلسفة تصحيح الأخطاء، وضمان عدالة أوسع. وبعقلية وطريقة تفكير، بعقل نقدي- تحليلي، يراجع الثغرات.

وبمعنى موجز أكثر إتساعاً، عقلية المحامي أمام قاضي محكمة الاستئناف، عقل: نقدي – جدلي؛ يعيد النظر في الحكم الابتدائي من حيث الوقائع والقانون. أي بمعنى قول آخر، عقل نقدي – تحليلي، يراجع الثغرات. واستراتيجيتة: التركيز على ثغرات الحكم الابتدائي، وإبراز الأخطاء في التسبيب التحييثي أو التكييف القانوني للحكم المطعون فيه. والمنطق الحججاجي للمحامي في الاستئناف؛ منطق جدلي Dialectical – موازن Balancing، على اساس أن الحكم قابل للنقد والمراجعة، وأن العدالة لا تُختزل في درجة تقاضي واحدة. والفكر القانوني للمحامي في الاستئناف؛ مزيج بين النصوص التشريعية والقيم Pragmatic، أي فكر مقارن، جدلي. وفلسفته، تصحيح الأخطاء، وضمان عدالة أوسع. ومثال له، بيان أن المحكمة الابتدائية، تجاهلت مستندًا جوهرياً يغير مجرى القضية، وأخطأت في تقدير الوقائع والأدلة. لذلك، المحامي أمام قاضي محكمة الاستئناف، ناقد ومجادل قانوني، فهو في الاستئناف، يتحول من التفاصيل (إجراءات + وقائع) في محكمة الموضوع، إلى ناقد وموازن في الاستئناف. وسرديته، نقد الحكم المطعون فيه، وإعادة صياغة الوقائع والتكييف القانوني.

3. أمام المحكمة العليا (النقض، المراجعة، الفحص):

———————-

ينصرف عقل المحامي إلى التدقيق في سلامة الحكم قانوناً لا في موضوعه. وأدواته ووسائل عمله: القواعد الإجرائية، والمبادئ القضائية المستقرة، والحجج القانونية الدقيقة. ومنهجيته: مقاربة نصية – تحليلية، تهدف إلى كشف العيب في تطبيق القانون أو تأويله. فعقل المحامي أمام قاضي المحكمة العليا: عقل معياري – دقيق – استراتيجي؛ يراجع سلامة تطبيق القانون. واستراتيجيتة: صياغة الطعن كمسألة قانونية عامة، لا مجرد نزاع فردي. والمنطق، معياري Normative – مقارن Comparative – استراتيجي. والفكر القانوني؛ براغماتي / مؤسسي؛ يركز على توحيد التفسير، وإرساء السوابق القضائية. ومثال له: الطعن في خطأ محكمة الاستئناف في تفسير قانون العمل، مع الاستناد إلى السوابق القضائية والمبادئ القضائية العليا من أحكام المحكمة الدستورية. أي المحامي أمام المحكمة العليا؛ صانع لمبادئ وقواعد قانونية عامة.

وبإيجاز موسع وأكثر شمولية، الطعن في خطأ محكمة الاستئناف في تفسير القانون بالاستناد إلى السوابق القضائية والمبادئ القانونية والدستورية العليا، تاسيساً على فكر للمحامي مؤسسي – براغماتي Institutional / Pragmatic – لتوحيد التفسير والتأويل لنصوص تشريع القانون. بمنطق للمحامي، معياري – مقارن – استراتيجي. وبإستراتيجية صياغة الطعن، كمسألة قانونية عامة، لبناء مبدأ قضائي. بعقل معياري – دقيق – استراتيجي. فالمحامي في دوائر المحكمة العليا، يصبح صانع مبادئ. فهو أمام دائرة النقض والمراجعة والفحص، يشتغل ويعمل بسردية تفسير النصوص التشريعية للقانون، وسردية تطبيق القانون بشكل صارم ودقيق على ضوء السوابق القضائية. وبسردية حجاجية، أن القانون وحدة متكاملة، والغاية حماية استقرار النظام القانوني. بإستخدام أدوات وسائل نصوص القانون، والسوابق القضائية العليا، والمبادئ المستقرة. وبفكر قانون، نصي – غائي، ومقارن بالسوابق العليا. وبفلسفة مبناها، توحيد التفسير والتأويل للنصوص التشريعية، وحماية استقرار القانون. بعقل وبطريقة تفكير تجريدي – مبدئي، يبحث عن نقاء النص التشريعي، وصحة التطبيق السليم والصحيح للنص التشريعي للقانون.

وخلاصة القول مجملاً، عقل المحامي، عقل يتصف بالمرونة والتعدد، فهو ينتقل من العقل الدستوري الفلسفي أمام المحكمة الدستورية، إلى العقل التطبيقي الواقعي أمام قاضي محكمة الموضوع، ثم إلى العقل النقدي التحليلي أمام قاضي محكمة الاستئناف، وصولًا إلى العقل النقضي – النصي أمام قاضي المحكمة العليا في دوائر النقض والمراجعة والفحص. وتتكامل هذه المستويات، لتجعل من المحامي فاعلًا جوهرياً في منظومة إدارة العدالة. ونواصل، وللحديث بقية.

 

فريق شرطة(حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي إستشاري القانون والموثق

12 سبتمبر 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى