أعمدة الرأي

كابتن محمد حسن الطاهر يكتب أن العدالة لاتصنع فى القصور بل تكتشف فى الأزقة( المشى بين النميري والفاروق )

 

 

التاريخ: سبتمبر. 14. 2025

 

في لحظة مشي هادئة، حين تتسق دقات القلب مع وقع الخطى، تتسع فضاءات التخييل والتذكر. يقول إبراهيم ناجي:

> ومشينا في طريقٍ مقمر

> تثب الفرحة فيه قبلنا

 

وضحكنا ضحك طفلين

معا وعدونا فسبقنا ظلنا

 

المشي ليس مجرد انتقال جسدي، بل هو فعلٌ فلسفي، ممارسةٌ روحية، ونافذةٌ لفهم الذات والعالم. حين نمشي، لا نقطع مسافات فحسب، بل نقطع طبقات من التفكير، نزيح الضباب عن الأفكار، ونمنحها فرصة للنمو.

 

🚶‍♂️ *المشي كفعل معرفي :

 

قال تعالى: _”فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه”_ ، دعوة إلهية للمشي لا بوصفه حركة بل بوصفه تأملاً. فالمشي الطويل يخلق الفكرة، أما التفكر القصير، فهو كوميض لا يضيء طريقًا. قال احد الكتّاب :

> “ترقد أفكاري إذا أقعدتها، ولا يعمل فكري إذا لم تحركه الساقان.”

 

هنا تتجلى العلاقة بين الجسد والفكر، بين الرياضة والممارسة العقلية. فالمشي يحرر العقل من قيوده، ويمنحه طاقةً جديدة للتأمل، كما لو أن كل خطوة تفتح نافذة جديدة في الذهن.

 

🧠 *اندماج العقل والجسد والعالم*

حين نمشي، لا نكون في عزلة، بل نندمج في العالم. نرى التفاصيل الصغيرة، نسمع الأصوات المنسية، نشم رائحة الحياة. المعرفة لا تتولد في الغرف المغلقة فقط، بل في الطرقات، في الأسواق، في الحقول. وكلما زادت خطواتنا، زادت معرفتنا بالعالم باطراد.

 

🕵️‍♂️ المشي كرقابة*

الرئيس السوداني السابق جعفر النميري كان يتنكر ويمشي في الأسواق لمراقبة الانضباط. لم يكن ذلك مجرد تفتيش، بل كان فعلًا إداريًا تأمليًا، يربط بين القيادة والميدان، بين القرار والملاحظة. المشي هنا أداة حكم، وسلوك إداري متجذر في الواقع.

 

⚖️ المشي كعدالة :

عمر بن الخطاب، الخليفة العادل، كان يمشي ليلًا بين الناس، يتفقد أحوالهم، حتى وصل إلى بيت بائعة اللبن التي رفضت الغش رغم غياب الرقابة. مشيه لم يكن نزهة، بل كان بحثًا عن الحق، عن الصدق، عن الإنسان. ومن تلك الخطوة، وُلدت فكرة عظيمة: أن العدالة لا تُصنع في القصور، بل تُكتشف في الأزقة.

 

🌌 *خاتمة:

الفكرة لا تولد في العجلة ولا بالتفكير القصير فقط

المشي الطويل يخلق الفكرة، لأنه يمنحها وقتًا للنضج، ومساحةً للتشكل. أما التفكر القصير، فهو كمن يزرع بذرة في أرضٍ صلبة دون ماء.

تتجلى بين النميري وابن الخطاب قيمة المشي: كأداة للرقابة، للعدالة، وللتأمل. فامشِ، لا لتصل، بل لتتفكر.

زر الذهاب إلى الأعلى