مقالات الرأي

حسنين مصطفي حسنين يكتب شهيدة الشرف وإيقونة الكبرياء

 

اجد نفسي وقد وقفت أمام الفيديو طويلاً، كأنني أقرأ صفحةً ممزقةً من دفتر بالى..لا استبين حروفه وكلماته …

وتغلبنى القراية…

 

لم افهم كيف؟

ولماذا؟

 

هناك،يا اخى على جزع الشجرة، لم يكن جسدٌ معلَّقاً فحسب، بل كانت لوحه لقصةُ تُروى بألم ووجع لا متناهى

: امرأةٌ عفيفةٌ، تحدّت الزمنَ بقلبٍ لا يهاب، فكان الجزاء أن تُعَلّق كرمزٍ للسوء…ياسبحان الله…

تخيل نفسك مكانها للحظة واحدة: كيف ترتعش اليد وتثبت العين، وكيف يضيق الفضاء ويزدحم حولك بكلّ هواجس اللا إنسانية…وظلم الانسان لبنى جلدته الانسان… تخيل أن صوتك الداخلي يهمس: “لا..لا تساوم … هذا شرفي”

فتظلّ النفس متمسكة بموقفها الرافض ، وتفضّل الموت على أن تُهان كرامتها.

لماذا؟…

لأن الكرامة ليست سلعةً تُباع ولا ورقةً تُمزق 

وما موقفها الا لحظة نادرة لامراة شريفة تختزلُ تاريخَ نقاء كل النساء في بلادى بطولها وعرضها..

 

في زمن الغربة والإرتحال تأخذني منك وتعدو الظلال

وأنت عشقي

حيث لا عشق يا سودان

إلاّ النسور الجبال

يا شرفة التاريخ

يا راية منسوجةً

من شموخ النساء

وكبرياء الرجال

***

لمن تُرى أعزف أغنيّتي

ساعة لا مقياس إلاّ الكمال

إن لم تكن أنت الجمال

الذي يملأ كأسي فيفيض الجمال

***

فداً لعينيك الدماء

التي خطّت على الأرض

سطور النضال

داست على جلاّدها

وهي في سجونه

واستشهدت بجلال

 

وجعُ الصورة لا يأتي من العنف الجسدي وحده، بل من سكب الخزي على ما تبقى من إنسانيتنا: أن يُستباح جسدٌ باسم القوة، وأن تُستعمل الحرب مبرراً للانتهاك .

هذا فعلٌ لا يقف عند حدود الجريمة الفردية، بل هو خيانة للإنسانية كلها، ووصمةٌ في جبين كل من يبارك العنف ويصمت أمامه….

ماذا لو هتفت هذه المرأة

واااا معتصمااااااه

 

ننددُ هنا وبأعلى صوت: نشجبُ فعل الاغتصاب والقتل، ونعيّرُ كل من يظن أن القوة تعطيه الحق في انتهاك الأبرياء.

هؤلاء الجنجويد الخوارجُ ، ليسوا مظهرَ قوةٍ بل مظهرَ ضعفٍ عظيم؛ ضعف أخلاقيٍ وروحيٍ يجعلهم يطعنون في صميم المجتمع .

لكن لنعد إلى حضور تلك الصورة والمرأة في لحظتها الأخيرة، لم تكن باكيةً فقط، بل كانت شاهدةً على فضيلةٍ لا تقاس بمقاييس البشر. صمتها صار صراخاً لا يُقهر، ووقوفها في وجه الإذلال أصبح أقوى من كلمة مسنودةٍ بسيفٍ أو بندقية. من رحم ذلك الصمت يولد العزّ، ومن دمعها تولد عزائمٌ لا تُمحى.

 

لو كنتى مكانها — يا صاحبة القلب — ماذا تفعلين؟

هل تختارين أن تستكينى أم تقتلين..؟بلا ذنب او سبب مبين…!!!

 

والصورة تعلمنا أن هناك خياراً واحداً تستمده النفسُ الطاهرة من ذواتها: الصبرُ والاحتساب. ليس صبرَ استسلامٍ بل صبرٌ ذو كرامة، صبرٌ يجعل من المصاب وسامَ شرفٍ لا يقدر عليه الجبناء.

 

أيتها النساءُ في بلادي: ضاقت بنا السبل، واشتدّ الظلم، لكن لا تنسوا أن الطهر منارةٌ لا يخمدها ظلامُ الجبروت. اصبرنَ على البلاء، واصطففنَّ كما تصطف الزهور بعد المطر في الحديقه…يانعات …مشرقات…

واقفات في عز وكرامه…، لأن الصبر ليس نسياناً بل هو بناءٌ لصوتٍ آتٍ يطالب بالعدالة. اجعلنَّ من جراحكن مراةً تعكس نور الحقيقة، ومن صمتكن منارةً تُعرّي وجهَ الظالمين.

 

أما الخونةُ والمتمردون، فليعلموا أن التاريخ لا يرحم من يتاجر بكرامة الناس؛ سيشنؤون في صفحات الذاكرة كما تبوء كل جبروتٍ بالفناء. العارُ لهم، واللعنةُ على أيديهم التي امتدت لتلوث الطهارة وتندس شرف النساء الحرائر.

 

واظن ان واجبُنا: لا نغلقُ الأعين، لا نسمحُ لأنصافَ حكاياتٍ كهذه أن تُمحى. نكتب، ونوثّق، ونشهد؛ لأن وثيقةَ الذاكرة أقوى من السيفٍ في الغمد ، ولأن كل ظالم يُرى هو خطوةٌ نحو المحاسبةٍ…حيث لا مفرّ من ذلك. لا نطلب انتقاماً بلا قِيَم، بل نطالب بالعدالة التي تعيد للضحايا حقّهم وتفضح القتلة.

 

أختم بقلبٍ مكلومٍ لكنه مؤمن: دم هذه الشهيدة وما قبلها وما بعدها سيبقى صوتاً يردّد أن الشرف أغلى من الحياة، وأن الطهرَ والنقاءَ صنوان لا يفترقان. فلتكن ذكراها نبراساً لنا؛ نحتسبها عند رب البريات، ونجعل من ألمها قوةً تُنهض الضمائر وتشقّ ظلام الجور.

سلامٌ على كل نفسٍ فضّلت الموت على العار، وسلامٌ على دمٍ سقّى أرضنا بالعهد أن لا يهدأ ولا يسقط حقٌ حتى يُستعاد.

وسلام عليك ايتها الشريفة…

وابدا ماهنت ياسوداننا يوما علينا…

 

حسنين مصطفي حسنين عثمان

القاهرة 14 سبتمبر 2024 م

زر الذهاب إلى الأعلى