فريق شرطة(حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب اصلاح الشرطة بهيكلة قوات شرطة السجون والحياة البرية والدفاع المدني والجمارك بدمجها في رئاسة قوات الشرطة في وزارة الداخلية

السادة/ رئيس وأعضاء مؤسسة الرئاسة في مجلس السيادة الانتقالي
السادة رئيس وأعضاء مجلس وزراء حكومة الدكتور/ كامل إدريس
السيد/ وزير الداخلية الاخ الفريق شرطة (حقوقي) بابكر سمرة مصطفى علي.
السلام عليكم ورحمة الله، وأملي أن يجدكم مكتوبي بخير.
من باب النصح والمناصحة أكتب إليكم، وأملي أن أجد عندكم الاذن الصاغية الواعية المدركة. وقولي لكم، إنّ إصلاح الشرطة السودانية، لا يعني إحداث تغيير جذري في موقعها داخل بنية جهاز الدولة، بل يظل وجودها الطبيعي في وزارة الداخلية كجزء من الأبنية السيادية للدولة، وفق ما نصّت عليه الوثيقة الدستورية لسنة 2019م وتعديلات 2025م. غير أنّ مكانة الشرطة في تلك الوثيقة جاءت بصياغة فضفاضة وهلامية وعمومية، تفتقر إلى المعايير الفنية للصياغة التشريعية المحكمة، وهو ما يعكس طبيعة الوثيقة نفسها، بوصفها في الأصل ورقة سياسية انتقالية أكثر من كونها دستوراً بالمعنى التشريعي الصارم.
وفي هذا الصدد، أشير إلى أن المحكمة العليا – الدائرة الدستورية في أحكام لها، وكما أقرّ فقهاء القضاء الدستوري في الولايات المتحدة الامريكية، أنّ النصوص الدستورية إذا صيغت بعمومية وهلامية، فإنها تمنح المحكمة الدستورية مساحة واسعة في التفسير والتأويل للنص التشريعي من الدستور، بما يتيح للنص التشريعي من الدستور التكيّف مع الوضع الدستوري والقانوني القائم، وتقدير ما يقتضيه السياق من موازنة ومواءمة بين النصوص التشريعية وبين ضرورات الواقع السياسي والمؤسسي السائد في الدولة. ومن ثم، فإنّ قراءة مكانة الشرطة في الوثيقة الدستورية، لا ينبغي أن تُفهم كتقييد صارم أو كحسم تشريعي نهائي، بل كإطار عام مفتوح للتفسير والتأويل وفقاً لمقتضيات استقرار الدولة، وعلى هدى الوضع من الدستور والقانون المستقرة عليه الشرطة السودانية في قانونها قانون شرطة السودان 2008م تعديل 2017م.
وفي ظل النقاشات والحوارات المهنية داخل أوساط الشرطة، بشأن قرارات محتملة بفصل قوات السجون، والحياة البرية، والدفاع المدني، والجمارك عن رئاسة قوات الشرطة، يجدر التنبيه إلى أنّ مثل هذا الفصل العضوي يواجه ممانعة واسعة وسط الضباط وصف الضباط والجنود. ومن ثم، فإنّ من مسئولية مؤسسة الرئاسة في مجلس السيادة ومجلس الوزراء، أن تُصغيان بعناية إلى أصوات المؤسسة الشرطية نفسها قبل إصدار قرارات مصيرية تمس بنيتها ووحدتها وتكاملها الوظيفي الآدائي.
لقد أثبتت التجربة القريبة في السودان – كحالة فصل النيابة العامة عن وزارة العدل – أن القرارات المتخذة بصورة استعجالية ودون دراسات معمقة من أهل الاختصاص، تُفضي إلى إضعاف مؤسسات راسخة وتحويلها إلى أطر شكلية فاقدة للدور الجوهري الذي من أجله إستحدثت المؤسسة. فقد أدى الفصل العضوي إلى إضعاف وزارة العدل وتحويلها من ركيزة لإدارة العدالة بركنيها الجنائي والمدني في إدارتي المحامي العام والمدعي العام، أن صارت وزارة العدل مجرد جهة إفتاء قانوني، وألقى بأعباء مالية وإدارية جديدة على خزينة الدولة والمواطن، كحالة قرارات فرض رسوم إضافية من النائب العام على الدعوى الجنائية لتسيير أعمال النيابة العامة، وأدى ذلك الفصل العضوي إلى ترهل في كوادر الموارد البشرية، وزيادة في المخصصات المالية، دون مردود يوازيها في الكفاءة والفعالية.
وبالمقارنة، فإنّ فصل قوات الشرطة التخصصية / المتخصصة – السجون، الحياة البرية، الدفاع المدني، الجمارك – فصلاً عضوياً لها عن رئاسة الشرطة، سيؤدي إلى ذات إشكالات وأكثر تعقيداً من حالة فصل النيابة العامة عن وزارة العدل، ونشير منها على سبيل المثال، لا الحصر:
(1) ترهل إداري، وتعدد هياكل موازية للشرطة في رئاسة قوات الشرطة.
(2) فرض أعباء مالية إضافية على الدولة.
(3) تفتيت الجهود الوظيفية المهنية في تدابير الحماية والأمن، لإحداث الأمن والاستقرار الداخلي، وأيضاً تراجع مستوى الكفاءة التدريبية والتأمينية التشغلية للقوات المنفصلة.
(4) إضعاف التكامل الوظيفي والمهني بين القوات والأفرع المختلفة للشرطة.
إنّ التحديات الأمنية التي تمر بها البلاد اليوم، تتطلب شرطة موحدة قوية ومرنة، تعمل بعقلية تكاملية، لا مجزأة ومفتته لوحدات متعددة. وأن الإصلاح الحقيقي، لا يقوم على الفصل والتفكيك والتجزئة والتشظية، بل يقوم على إعادة الهيكلة الداخلية بما يحقق الأتي:
(1) الاستخدام والتوظيف الأمثل للموارد البشرية والمالية.
(2) رفع القدرات التشغيلية للموارد البشرية بكفاءة وتطوير التدريب والتأهيل.
(3) تعزيز القدرات والجودة والجاهزية، لمواجهة المهددات الأمنية.
(4) ترسيخ قيم الانضباط والمهنية والشفافية في إدارة العمل الشرطي.
وعليه، فإنّ الحكمة تقتضي أن تُترك قيادة الشرطة لتفكر وتخطط لنفسها، ضمن إطار مؤسسي قائم على التشاور والدراسات الموضوعية، بعيداً عن القرارات الفوقية الجاهزة التي تُفرض من خارج المؤسسة (وزير الداخلية وقيادات الشرطة). فالإصلاح المطلوب هو إصلاح واعٍ وتشاركي، يعزز وحدة الشرطة السودانية في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الدولة والمجتمع، بما يجعل الشرطة أداة فاعلة لحماية الأمن والاستقرار وصون كيان الدولة.
وبناء علية، من الضروري واللازم، الإبقاء على وحدة الشرطة بوضعيتها الحالية المنصوص عليه في قانون شرطة السودان 2008م تعديل 2017م، بأن تبقى تحت رئاسة واحدة في وزارة الداخلية، بما يتيح لوزير الداخلية ومدير عام قوات الشرطة، قدرة وفاعلية السيطرة والتحريك والادارة والتوظيف الامثل للقدرات والموارد، ومع معالجة قضايا الإصلاح عبر إعادة الهيكلة الداخلية، لا عبر الفصل العضوي. ومع التأكيد أن الوثيقة الدستورية بصيغتها العامة عن مكانة ووضعية الشرطة، لا تمنع هذا التوجه، بل تتيح مساحة مرنة للتفسير والتأويل والإصلاح المؤسسي للشرطة في وزارة الداخلية، بما يحقق استقرار الدولة وكفاءة الجهاز الشرطي، بما يقرره وزير الداخلية وقيادات الشرطة على سند قانون الشرطة الحالي الساري المفعول. ولإعتبارات اخلاقيات أدبيات المهنة التي تقتضي السرية، لا أود الخوض كثيراً فيما هو يلزم عدم الافصاح عنه إنما السكوت عنه، إلا مع مختصين بشئون إدارة الشرطة والعمليات الأمنية.
وعلى الله قصد سبيل الهدى والرشاد، وما أريد إلا الاصلاح ما استعطت.
فريق شرطة(حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
14 سبتمبر 2025م


