كابتن محمد حسن الطاهر يكتب السياسة العالمية بين حذاء الطنبوري وصمويل بيكيت

🌍 في عالم اليوم الذى تتقاطع فيه المآسي بالعبث، وتتماهى فيه الحدود بين الواقع والرمز، يمكننا أن نقرأ السياسة العالمية من خلال حذاء الطنبوري ومسرحية “في انتظار غودو” لصمويل بيكيت، ونرى السودان نموذجًا حيًا بين الانتصار والانتظار.
*👞 حذاء الطنبوري عبء السلطة الذي لا يُخلع :
في التراث العربي، يحكي لنا الطنبوري قصة رجل اشتهر بحذائه العتيق، الذي كلما حاول التخلص منه عاد إليه بطريقة ما، حتى أصبح الحذاء لعنة تلاحقه. الحذاء هنا ليس مجرد قطعة جلدية، بل رمز للسلطة، للقرار، للمسؤولية التي لا تنفك عن صاحبها مهما حاول الهروب.
السياسة العالمية اليوم تشبه هذا الحذاء. القوى الكبرى، رغم محاولاتها المستمرة للتنصل من تبعات تدخلاتها، تجد نفسها دائمًا عائدة إلى نفس النقاط الساخنة: الشرق الأوسط، أفريقيا، أوكرانيا، تايوان. كل أزمة هي حذاء جديد، وكل تدخل هو محاولة فاشلة لخلع الحذاء القديم.
*🎭 الانتظار عبث السياسة :
صمويل بيكيت في مسرحيته العبثية “في انتظار غودو”، يصور رجلين ينتظران شخصًا لا يأتي. لا نعرف من هو غودو، ولا لماذا ينتظرانه، لكنهما يظلان هناك، في حالة من الترقب واللاجدوى. المسرحية لا تقدم حلاً، بل تعكس حالة الإنسان المعاصر: الانتظار كفعل سياسي، كاستراتيجية، كعجز.
السياسة العالمية تمارس هذا الانتظار بشكل يومي فهى تتظر:
– “غودو” الحل في فلسطين،
– “غودو” السلام في السودان
– “غودو” العدالة في سوريا،
– “غودو” المناخ في قمة كوبنهاغن
لكن غودو لا يأتي. والأنظمة تكتفي بإدارة الانتظار، لا إنهائه.
*🇸🇩 السودان بين الانتصار والانتظار :
السودان اليوم يعيش مأساة مركبة، حيث يتقاطع الانتصار العسكري مع الانتظار السياسي. الجيش يحقق تقدمًا ميدانيًا⁽¹⁾، لكن الشعب ينتظر السلام، ينتظر العدالة، ينتظر أن يكون النصر بداية لا نهاية⁽²⁾. الانتظار في السودان ليس عبثيًا فقط، بل دمويًا، حيث يدفع المدنيون ثمنًا باهظًا في كل جولة من جولات الصراع.
السودان هو الطنبوري الذي لا يستطيع خلع حذاء الحرب، وهو فلاديمير واستراغون في انتظار غودو الديمقراطية. كل انتصار عسكري يعقبه انتظار سياسي، وكل هدنة مؤقتة تفتح بابًا جديدًا للانتظار.
—
*🧠 خاتمة:
السياسة كحذاء لا يُخلع وانتظار لا ينتهي :
السياسة العالمية، في جوهرها، أصبحت تشبه حذاء الطنبوري: عبء لا يُفارق، ومسرحية بيكيت: انتظار لا يُثمر. وبينهما، يقف السودان كمرآة تعكس هذا العبث، حيث الانتصار لا يعني الخلاص، والانتظار لا يعني الأمل.
ربما آن الأوان أن نعيد تعريف السياسة، لا كفن إدارة المصالح، بل كفن تجاوز الحذاء والانتظار. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الطنبوريين، ولا إلى مسرحيات جديدة لغودو. بل يحتاج إلى من يخلع الحذاء، ويكسر دائرة الانتظار، ويمشي نحو الفعل الحقيقي. فهل نجرؤ؟


