أعمدة الرأي

بصمة دبلوماسية ( اللسان مرآة الوعي والقدر) بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر

 

 

في تفسيره للقرآن، يقول ابن كثير: “المرء مخبوء تحت لسانه” ، وهي عبارة تختزل فلسفة كاملة عن الإنسان، الإدراك، والوعي. فاللسان ليس مجرد أداة نطق، بل هو نافذة تطل منها الذات على العالم، وتكشف عن جوهرها الحقيقي. في زمن تتداخل فيه الصور والتصورات، وتتشابك فيه الأحكام المحلية والعالمية، يصبح التعبير فعلًا دبلوماسيًا، لا لغويًا فقط، بل معرفيًا ووجوديًا.

 

*🧠 اللسان كامتداد للحالة الدماغية :

الكلام ليس فعلًا ميكانيكيًا، بل هو نتاج *حالة دماغية مركّبة* تشمل:

الوعي*:ما نعرفه ونشعر به.

 

التصوركيف نرى الأشياء داخليًا

 

الحكم*: كيف نقيمها ونصنفها.

حين يتكلم الإنسان، فهو لا ينقل كلمات فحسب، بل يترجم حالته الذهنية إلى رموز صوتية. لذلك، فإن اللسان يكشف عن مستوى التفكير، درجة الوعي، ونمط الإدراك. كما أن *الحكم على الشيء هو جزء من تصوره* ، فإن التعبير عنه هو إعلان ضمني عن موقعنا الفكري والأخلاقي.

 

*🖼️ الصورة والتصور: كيف نبني الوعي؟*

الوعي لا يُبنى من فراغ، بل من خلال:

– الصور الذهنية التي نكوّنها عن الأشياء.

– إدراكنا لهذه الصور وتفاعلنا معها.

 

حين نتحدث، فإننا نُسقط هذه الصور على الواقع، ونمنحها شكلًا لغويًا. لذلك، فإن التعبير هو عملية تحويل *التصور الداخلي إلى صورة خارجية* ، تُحاكم وتُفهم وتُبنى عليها العلاقات.

 

*⚖️ دبلوماسية التعبير :

الحديث النبوي الشريف: *”فليقل خيرًا أو ليصمت”* ، ليس مجرد توجيه أخلاقي، بل قاعدة ذهبية في *دبلوماسية التعبير*.

– فالصمت ليس ضعفًا، بل وعيًا بعدم جاهزية الصورة الداخلية للعرض.

– والكلام ليس مجرد تفاعل، بل مسؤولية معرفية وأخلاقية.

في هذا السياق، يصبح اللسان أداة *تقدير للذات* ، لا مجرد وسيلة تواصل.

 

*🌍 التفكير المحلي والعالمى:

في عصر العولمة، تتداخل الأحكام بين:

– *Local*:

السياقات الثقافية والاجتماعية الخاصة.

– *Global*:

المعايير الكونية والإنسانية.

 

عندما يتكلم الإنسان، فهو يحدد موقعه بين هذين القطبين. هل يتحدث من منطلق محلي ضيق؟ أم من وعي عالمي شامل؟

هنا تتجلى *تشريح الحكم (Anatomy of Judgement)*:

– كيف نكوّن رأينا؟

– ما الصور التي نستند إليها؟

– وما مدى اتساع وعينا؟

 

 

*✨ خاتمة:

تكلم حتى أراك :

في النهاية، فإن التعبير ليس مجرد كلام، بل هو *فعل وجودي يكشف عن الذات*.

فمن خلال اللسان، نُرى، نُفهم، ونُحاكم. ومن خلال الصمت، نحترم حدود وعينا.

فإذا أردت أن تُرى كما أنت، *تكلّم بوعي، بصور واضحة، وبحكم متزن*.

وإن لم تكن جاهزًا، فالصمت أبلغ من الكلام.

زر الذهاب إلى الأعلى