أعمدة الرأي

فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب العدالة الدستورية ونمو التطور الدستوري المجتمعي وأثره على تطبيق الدستور والقانون(3)

 

رؤية إنتقادية لمعايير المحاكمة العادلة المنصوص عليها في الوثيقه الدستورية 2019م تعديل 2025م

 

المحاكمة العادلة والمنصفة، أحد الركائز الأساسية للعدالة الدستورية، لما تمثله من ضمانة مركزية لحقوق الأفراد وحماية للحق في التقاضي المنصف. فهي تمثل الركن الجوهري في أي نظام ديمقراطي، يقوم على سيادة حكم القانون. وكما أنها ليست مجرد إجراء شكلي، يضمن علانية الجلسات، أو حق الدفاع، بل هي بنية متكاملة، تجمع بين ضمانات إجرائية وموضوعية في آن واحد. وفي سياقات نصوص الوثيقة الدستورية 2019م تعديل 2025م، نصّت المادة 52 على الحق في المحاكمة العادلة، وجاءت منقولة حرفيًا عن المادة 34 من الدستور الانتقالي لعام 2005م الملغي، والتي كان يوازيها في دستور جمهورية السودان 1998م المواد 31 و32، اللتان نصتا على الحق في التقاضي وحماية حرمة الإجراءات القضائية في خصومات جنائية أو معاملات مدنية، وفقًا للقانون وإجراءاته. ومع ذلك، يظهر أن ضمانات المادة 52 من الوثيقة الدستورية للمحاكمة العادلة المنصفة، تركز بالأساس على الجوانب الإجرائية في القضايا الجنائية فقط، مثل الحق في اخطار المتهم للعلم بالتهمة الموجهة والمنسوبة له، وبما في ذلك المقبوض عليه، وتركيزها على حق الدفاع، والمحاكمة العلنية، دونما توسع كافٍ ليشمل القضايا المدنية والإدارية، ودون أن تشمل المعايير الضمانات الموضوعية والاجرائية المتعلقة بتفسير وتأويل القانون الموضوعي، وتقدير البينات والوزن السليم للأدلة المقرر وفقاً لقانون الاثبات 1994م، وهو ما يحدّ ويغلَ من فعالية العدالة الدستورية في سياق شامل. لأن تفسير وتأويل نصوص القانون الموضوعي والوزن السليم للبينات، مسألة تقع في منزلة بين الإجراء والموضوع، وتتميز بالطبيعة المزدوجة. أي تقدير الأدلة ووزن البينات، والنظر في الوقائع لتفسير وتأويل القانون، مسألة تقع عند تقاطع الإجراء والموضوع، لأنها تتعلق بالاستخلاص السائغ والمقبول للوقائع والأدلة، وإجراءات سماع الشهود وتقديم الأدلة وعرضها للمحكمة المختصة، وفي الوقت ذاته، فهي تؤثر مباشرة على جوهر الحكم.

إلا من الواقع العملي، نجد أن المحكمة الدستورية في السودان في احكام لها، درجت على القول، بعدم اختصاصها بنظر تفسير وتأويل القانون الموضوعي والاجرائي، وعدم اختصاصها بمسائل تقدير الادلة ووزن البينات، باعتبارها من اختصاص محاكم القضاء العادي في الموضوع والاستئناف والنقض والمراجعة. إن موقف هذا الاتجاه من المحكمة الدستورية، يفرز إشكالية يقيد من مفهوم العدالة الدستورية، إذ أن تجاهل الاستخلاص السائغ للوقائع، لتفسير وتأويل نصوص القانون الموضوعي. وتجاهل كيفية إستخلاص البينات الجوهرية من الوقائع الأساسية، للتأكد من مشروعيتها. يُعدان في كلا الحالتين، انتهاكاً مباشراً للحق في المحاكمة العادلة. لأنهما أمران يدخلان في صميم اختصاص المحكمة الدستورية. لسبب بسيط، ألا وهو أن النصوص الدستورية، مهما كانت شاملة، تبقى ذات طبيعة عامة ومجردة. وبالتالي، النصوص الدستورية لا تؤدي وظيفتها الكاملة، إلا عبر وجود قوانين عادية، تابعة ومكملة لها، بحيث تتنزل المبادئ الدستورية في الواقع العملي. وهذه القوانين هي ما يُعرف بالتشريعات التبعية أو المكملة، مثل القوانين الجنائية الموضوعي والاجرائي، والقوانين المدنية الموضوعية والاجرائية، وقوانين القضاء الإداري، وقوانين تنظيم السلطة القضائية، وما إلى ذلك من قوانين تصدرها السلطة التشريعية. أي بقول آخر أكثر شمولية، النصوص التشريعية للدستور، لا تؤدي وظيفتها الكاملة، إلا من خلال وجود قوانين عادية مكملة تبعية للنص التشريعي للدستوري. وأن المحكمة الدستورية، تضطلع بدور محوري، ليس فقط في تفسير الدستور، وإنما كذلك في تفسير القانون ومراقبة حسن تطبيقه أمام المحاكم العادية. ومن ثمّ، فإن المحكمة الدستورية، تمثل الضامن الأعلى لوحدة النظام القضائي، وسلامة الأحكام القضائية، بما يرسخ مبدأ سمو الدستور، ويحقق العدالة الدستورية الشاملة.

وفي المقابل، يقدم العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة (14 بفقراتها) منظومة متكاملة من الضمانات القضائية، تشمل المساواة أمام القضاء، والاستقلال والحيادية القضائية، وحق الدفاع، وحق طلب المساعدة القانونية، حق علنية الجلسات حضور الجمهور للجلسات، واستدعاء الشهود، والترجمة للغة التي يفهمها طرفي القضية، ومنع الإكراه على الاعتراف، وحق الاستئناف والمراجعة أمام محكمة أعلى، والتعويض عند الأخطاء القضائية، وبالإضافة إلى حماية الأحداث وفقاً لسنهم وظروفهم الخاصة، ونظر القضايا المدنية والادارية نظراً عادلاً منصفاً من حيث الواقع والقانون. فهذه الضمانات القضائية، تعكس تطوراً نوعياً في فهم العدالة الدستورية، إذ تعتبرها حقاً دستورياً، يتجاوز الشكل الإجرائي، ليصل إلى الإنصاف والفعالية القضائية في كل مستويات التقاضي.

وبناءً على ذلك، يمكن النظر إلى المحاكمة العادلة المنصفة المقررة في الوثيقة الدستورية، بإعتبارها نقطة ومنصة انطلاق هامة، لبحث المعايير والأسس السليمة والكافية للمحاكمة العادلة المنصفة في السودان، ولكن مع الوضع في الاعتبار، الحاجة إلى تطوير وتوسيع نطاق المحاكمة العادلة المنصفة، لتشمل الضمانات الموضوعية، والقضايا المدنية والإدارية، واستكمال آليات الاستئناف بالتقاضي أمام محكمة أعلى، والتعويض عن أضرار الأخطاء القضائية، بما يعزز العدالة الدستورية، ويحقق التكامل بين المضمون والإجراء، وفقًا لأفضل المعايير الدولية المعتمدة. لما تمثله معايير المحاكمة العادلة المنصفة، من ضمانة مركزية لحقوق الأفراد، وحماية للحق في التقاضي المنصف العادل، وبتوسع كافٍ ليشمل القضايا المدنية والإدارية، والضمانات الموضوعية المتعلقة بتفسير وتأويل القانون، نظراً في الموضوع من حيث الواقع والقانون، وتقدير البينات والوزن السليم للأدلة، بالقدر الذي يعزز من فعالية العدالة الدستورية في سياق شامل. فالعدالة الدستورية ليست مجرد احترام للإجراءات فقط، بل هي أيضاً حماية موضوعية للحقوق الجوهرية للمتقاضين. وأن النصوص الدستورية في العدالة الدستورية، يجب أن تؤسس لمبدأ تكامل العدالة الإجرائية والعدالة الموضوعية معاً، لا الاكتفاء بالشق الأول في العدالة الاجرائية.

إلا أنه بالنظر في معايير المحكمة العادلة المنصفة الواردة في الوثيقة الدستورية، فهي تعاني من إشكاليات وفراغات دستورية – لا تحقق مضامين العدالة الدستورية بمعاييرها العالمية – فقد ركزت حصرياً على المسائل الجنائية دون سواها فيما يتعلق بقضايا المسائل المدنية والادارية، لاقتصار الوثيقة الدستورية النص على حقوق المتهم في المحاكمة العادلة، وعلنية الجلسات، وحضور محامٍ، واعتبرت ذلك هو جوهر الحق في المحاكمة العادلة. وكما اقتصرت الوثيقة الدستورية معايير المحاكمة العادلة على الجوانب الإجرائية فقط، بالنص التشريعي على علنية الجلسات، والمساواة أمام القانون، وضمان حق الدفاع. وبذلك تكون الوثيقة الدستورية في المحاكمة العادلة المنصفة، أغفلت شمول الضمانات الدستورية في القضايا المدنية والإدارية، وهي مسائل لا تقل أهمية عن القضايا الجنائية، خاصة في البيئة الانتقالية للدول التي تعاني من إشكاليات عدم الاستقرار السياسي والأمني، وفي الدولة الحديثة العهد بالنزاعات السياسية.

فالنزاعات الإدارية – بلا شك – تمس حقوق الأفراد، وتنتج خصومات تجاه سلطات الدولة؛ كقرارات الفصل التعسفي من الخدمة والوظيفة العامة وسحب التراخيص ومصادرة الممتلكات، بتدابير تنفيذية إدارية الطابع والمضمون. وأيضاً التدابير التنفيذية الادارية الطابع المقيدة للحريات العامة والشخصية، لدواعي حفظ الامن والنظام العام. وكما أن النزاعات والقضايا المدنية، وقائع تمس الحقوق الخاصة والعقود والملكية والالتزامات. وبالتالي الاقتصار على الجوانب الإجرائية دون الجوانب الموضوعية، يجعل النص الدستوري شكلياً أكثر من كونه جوهر حماية الحقوق والحريات، لأن العدالة الدستورية تستوجب التوازن بين منظومتي العدالة الاجرائية والعدالة الموضوعية. منظومة العدالة الإجرائية، بحسن سير الخصومة القضائية. ومنظومة العدالة الموضوعية، بعدالة الحكم في مضمونه ونتيجته.

وتحليل نقدي لمعايير المحاكمة العادلة المنصفة المنصوص عليه في الوثيقة الدستورية، مقارنة بالمعايير الدولية المنصوص عليها في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية – وهو قانون وطني داخلي، لمصادقة السودان عام 1969م على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية – فإننا نستخلص، النتائج الآتية:

1. معيار المساواة أمام القضاء:

العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، يشمل القضايا الجنائية والمدنية على السواء، والنظر القضائي فيها أمام محكمة مختصة مستقلة وحيادية ونزيهة. بينما الوثيقة الدستورية، يشمل القضايا الجنائية فقط، ومع النظر القضائي فيها أمام محكمة عادية مختصة.

وبناء عليه، الإيجابيات من النص التشريعي في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، تعزيز حماية العدالة الجنائية والمدنية والادارية سواء بسواء، واستقلالية المحكمة، وأن تكون المحكمة من حيث التشكيل محكمة مختصة من قضاة طبيعيين، تتوافر فيهم معايير الحيادية والنزاهة والاستقلالية، سواء الانحياز المادي، بعدم وجود منفعة مالية، أو علاقة مباشرة بالخصومة. والانحياز المعنوي، بعدم تكوين رأي مسبق في القضية، بتصريحات علنية، أو علاقة فكرية أو سياسية، أو سبق للقاضي الاشتراك في إصدار ذات الحكم القضائي. فهي بالجملة، تؤثر على معيار الحيادية في المحاكمة العادلة. وبالنظر في الوثيقة الدستورية، فهي تعاني من فجوة سلبية، تخل بمعايير المحاكمة العادلة المنصفة، لأنها لا تشمل القضايا المدنية والإدارية، ولا تنص على معايير الحيادية. وبالتالي، الرأي والتوصية الاصلاحية في الوثيقة الدستورية، توسيع نطاق المادة 52 لتشمل جميع القضايا الجنائية والمدنية والادارية، والنص على معايير الحيادية وإستقلالية القاضي.

2. معيار افتراض البراءة:

العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، تعزيزاً لمعايير العدالة الجنائية، ينص على أن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته. وهو ما نجده أيضاً، منصوص عليه مفصلاً في الوثيقة الدستورية، ومتوافق مع المعايير الدولية.

وعليه من السياقات الايجابية للنص التشريعي، الوثيقة الدستورية متوافقة مع المعايير الدولية. وبذلك، الوثيقة الدستورية لا تعاني من فجوة سلبيات فيها واضحة. والرأي والتوصية الاصلاحية، استمرار التطبيق للمعيار، وتعزيزه في كل مراحل إجراءات المحاكمة في الجنايات.

3. معيار الإخطار بالتهمة وأسباب القبض:

العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ينص على أن يكون اخطار المتهم للعلم بالتهمة سريع ومفصل، وباللغة التي يفهمها المتهم أو المقبوض عليه. ومقارنة مع الوثيقة الدستورية، نجد المعيار منصوص عليه ومفصلاً، ويتوافق مع المعايير الدولية.

فمن حيث الايجابيات، النص التشريعي في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، يعزز من حماية حق المتهم في الجنايات، بضرورة معرفة التهمة المنسوبة أو الموجهة إليه. وبالنظر في فجوة السلبيات، الوثيقة الدستورية لم تنص على تحديد إطار زمني دقيق للتنفيذ، بالقدر والكيفية المنصوص عليها في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. وبالتالي، التوصية والرأي الاصلاحي، تحديد مدة زمنية واضحة، تكفي لإبلاغ المتهم بالتهمة المنسوبة أو الموجهة له.

4. معيار الحق في الدفاع والمحامي:

بالنظر في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، المعيار شامل وموسع ومفصل، ويشمل توفير محامٍ من الدولة في حالة عجز المتهم من قدرة توفير محامي لنفسه، وحق المتهم في استدعاء شهود النفي، وحق المتهم في أن توفر أو تعين الدولة مترجم للغة التي يفهمها المتهم والمقبوض عليه، والنص على عدم الإكراه على إدلاء الشهادة. وبالنظر في الوثيقة الدستورية، المعيار منصوص عليه، ولكنه فقط وحصرياً يقتصر على الجرائم البالغة الخطورة.

وبالنظر في إيجابيات النص التشريعي في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الغرض والهدف من النص، تعزيز ضمانة حق الدفاع في القضايا الخطيرة. وبالنظر في السلبيات والفجوات في الوثيقة الدستورية، النص التشريعي لا يشمل كل القضايا الجنائية والمدنية والادارية، ولا يذكر الحق في استدعاء شهود النفي، أو الحق – لأي من طرفي القضية – الاستعانة بمترجم.

والرأي الاصلاحي والتوصية، توسيع نطاق المساعدة القانونية بالنص عليه – بنص صريح ومباشر – ليشمل كل القضايا الجنائية والمدنية والادارية، والتأكيد على ضمان حقوق الدفاع الموضوعية، وبما في ذلك الحقوق الموضوعية الاجرائية المنصوص عليها في القانون.

5. معيار علنية جلسات اجراءات المحاكمة:

العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ينص على علنية إجراءات المحاكمة في جلسات مفتوحة للجمهور، يحضرها الجميع، ولكن ينص على استثناءات محددة، لدواعي الخصوصية الشخصية لطرفي القضية، أو لدواعي مقتضيات حفظ الأمن والنظام العام. ومقارنة المعيار مع الوثيقة الدستورية، المعيار منصوص عليه فيها، ولكن بدون ذكر الاستثناءات الواردة في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

ومن حيث إيجابيات النص التشريعي في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، التأكيد على علنية جلسات المحاكمة، واحترام خصوصية أي من طرفي القضية، بتقييد حضور الجمهور لجلسات المحكمة، ومراعاة تقديرات دواعي حفظ الامن والنطام العام، بمنع أو تقييد حضور جلسات المحاكمة للجمهور. وبالنظر في السلبيات والفجوات في الوثيقة الدستورية، غياب النص فيها على الاستثناءات العلنية للجلسات بتقييد حضور الجمهور، لتكون الاستثناءات محمية قانونياً. والرأي الاصلاحي والتوصية، إضافة أحكام استثناءات علنية الجلسات وتقييدها – بنص صريح ومباشر– لدواعي ضبط وتنظيم إستثناءات حضور الجلسات قانونياً.

6. المراجعة والاستئناف أمام محكمة أعلى:

العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ينص على أن لكل متظلم أو معترض من حكم قضائي، له الحق في اللجوء إلى محكمة أعلى لإعادة النظر في الحكم المتظلم منه أو المعترض عليه. وبالنظر في الوثيقة الدستورية، لم يُذكر فيها – صراحة وبطريق مباشر – الحق في التظلم أو الاعتراض على الاحكم القضائية، باللجوء إلى محكمة أعلى بالطعن القضائي أمامها.

ومقارنة، ايجابيات النص التشريعي في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، لحماية وتعزيز بعض الحقوق الأساسية للمتظلم التي لم يراعيها أو يصونها الحكم القضائي. وبالنظر في السلبيات والفجوات، الوثيقة الدستورية – بنص صريح ومباشر – لم تنص على حق الطعن بالاستئناف والمراجعة القضائية. وبناء عليه، التوصية الاصلاحية، إدراج نص تشريعي صريح ومباشر على الطعن في الحكم القضائي – بالاستئناف والنقض والمراجعة والفحص – لجميع الأحكام القضائية.

7. معيار تعويض الأخطاء القضائية:

العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسيه، ينص على تعويض المتضرر، عند إبطال الحكم القضائي، بسبب واقعة جديدة. ومقارنة مع الوثيقة الدستورية، تعويض الاخطاء القضائية غير منصوص عليه فيها.

وإيجابيات النص التشريعي في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، لتعزيز وحماية بعض الحقوق الأساسية للمتظلم المضرور التي لم يراعيها أو يصونها الحكم القضائي. والسلبيات والفجوة في الوثيقة الدستورية، لا يوجد فيها حماية قانونية للمتضررين من الأخطاء القضائية. وعليه، الرأي والتوصية الاصلاحية، إدراج نص صريح ومباشر للتعويض عن الأخطاء القضائية.

8. معيار عدم التعرض للمحاكمة مرتين (Ne bis in idem):

المعيار منصوص عليه في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. وكذلك منصوص عليه في الوثيقة الدستورية. ومن حيث الايجابيات بالنص على المعيار في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، تأكيد ضمانة عدم تكرار المحاكمة لأكثر من مرة في ذات الوقائع، وأن الوثيقة الدستورية متوافقه مع العهد الدولي للحقوق المدنية. وبالنظر في السلبيات والفجوة، لا توجد سلبيات واضحة في الوثيقة الدستورية. وبناء عليه، التوصيات الاصلاحية، تعزيز التطبيق العملي، لضمان عدم تكرار المحاكمة.

ومستخلص ما ننتهي إليه، الوثيقة الدستورية في معايير المحاكمة العادلة المنصفة، مقارنة بالمعايير الدولية، تعاني من سلبيت وفجوات، لا تتوافق مع المعاير الدولية المنصوص عليها في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. لاقتصار الوثيقة الدستورية على الإجراءات الجنائية، دون النظر في القضايا المدنية والإدارية. والتركيز على الجوانب الإجرائية، دون الموضوعية. وبما في ذلك، الجوانب الموضوعية الاجرائية، مثل تقدير البينات والوزن السليم للأدلة، واستخلاص تفسير وتأويل القانون بالنظر في الوقائع. ونقص الضمانات الموسعة للدفاع، مثل استدعاء الشهود أو توفير مترجم. وغياب النص التشريعي – الصريح المباشر – بالنص على الاستئناف والمراجعة القضائية الشاملة. وغياب النص بتعويض المتضررين من الأخطاء القضائية، لمساسها ببعض الحقوق الأساسية للمتظلم المضرور، لم تراعيها أو يصونها الحكم القضائي، أو ظهور واقعة جديدة موجبة للتعويض، كظهور حدث أو دليل مادي أو شهادة، لم تكن متاحة أو معلومة وقت المحاكمة، ثم ظهرت لاحقًا، وأدت إلى إلغاء الحكم، لكونها ترتب عليها خطأ الحكم القضائي، تضرر منه المتقاضي.

ومن منظور ومفهوم العدالة الدستورية والمحاكمة العادلة المنصفة، العدالة الدستورية، تعني حماية الحقوق والحريات الأساسية، وتعني ضمان الالتزام بالدستور، وتحقيق التوازن بين السلطات العامة، من خلال رقابة قضائية دستورية مستقلة وفعّالة. وبمعنى آخر، العدالة الدستورية هي العدالة، التي تحقق سيادة القانون الدستوري، وضمان عدم تجاوز السلطات العامة لصلاحياتها. وتأسيساً على مفهوم العدالة الدستورية، فإن الرؤية الانتقادية لمعايير المحاكمة العادلة المنصفة في الوثيقة الدستورية، لإعتبار العدالة الدستورية في منحاها وجوانبها العدلية، تتطلب توازناً دقيقاً بين الإجراءات والموضوع، وتعزيز وتطوير حماية الحقوق والحريات، وضمان استقلال القضاء، وضمانات حيادية واستقلالية القاض، وتدرج المراجعة القضائية بالطعن أمام محكمة أعلى. لأن العدالة الدستورية ليست مجرد إجراءات شكلية، بل إطار متكامل يجمع بين الحياد القضائي، واستقلال القضاء، وحماية الحقوق، وضمان التطبيق السليم للدستور. وأي خلل في أحد هذه الأسس المعيارية، يؤدي إلى ضعف العدالة الدستورية، وفقدان الثقة في القضاء.

وترتيباً عليه، الوثيقة الدستورية لم تنص على عدد من الضمانات الإجرائية في المحاكمة الجنائية، فهي بذلك، من منظور العدالة الدستورية، تعاني من عدة أوجه قصور جوهري، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1. محدودية النطاق الموضوعي:

الوثيقة الدستورية، تحصر معايير المحاكمة العادلة المنصفة في القضايا الجنائية، دون أن تمتد إلى القضايا المدنية والإدارية، مما يُخل بمبدأ المساواة أمام القضاء، ويُضعف الحماية الدستورية للأفراد في منازعاتهم غير الجنائية، خلافًا لما نص عليه العهد الدولي في شموليته.

2. غياب الضمانات البنيوية:

الوثيقة الدستورية، لا تشير إلى استقلال القضاء، أو حياديته، أو إنشائه بحكم القانون، وهي عناصر أساسية لضمان المحاكمة العادلة، وتُعد من صلب معايير العدالة الدستورية وعالميتها، كما ورد في المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

3. إغفال المعايير الموضوعية والإجرائية الدقيقة:

الوثيقة الدستورية، لا تتضمن أي نصوص تشريعية تتعلق بحق المتهم في مناقشة شهود الاتهام، أو استدعاء شهود النفي، أو الحصول على مترجم، أو الحماية من الإكراه على الاعتراف، أو الحماية بعدم إجبار الشهود على الشهادة، وهي ضمانات جوهرية لتحقيق الإنصاف الإجرائي.

4. غياب الحق في الطعن والتعويض:

الوثيقة الدستورية، لا تنص على حق المدان في الطعن أمام محكمة أعلى، أو حقه في التعويض عند وقوع خطأ قضائي، وهي حقوق أساسية في منظومة العدالة الدستورية، وتُعد واحدة من ضمانات الإنصاف القضائي بعد صدور الحكم.

5. غياب الإطار التفسيري لقواعد الإثبات:

الوثيقة الدستورية، لا تتناول قواعد تقدير الأدلة، أو تفسير النصوص القانونية من الواقع والقانون، مما يترك مساحة واسعة للاجتهاد غير المنضبط، ويُضعف الرقابة الدستورية على سلامة الإجراءات القضائية.

ونواصل، للحديث بقية.

فريق شرطة (حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي استشاري القانون والموثق

22 سبتمبر 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى