أعمدة الرأي

مدارات للناس  هاشم عمر  يكتب  خرطوم الذاكرة… حين تُحرَق الصور وتبقى الأرواح

 

العودة إلى الخرطوم بعد عامين ونصف من الحرب ليست مجرد رحلة جغرافية، بل عبور مؤلم في الزمن والذاكرة. المدينة التي كانت تحتضن الحلم، وتُنبت الكلمة، وتُضيء ليالي الصحفيين والمبدعين، أصبحت اليوم مدينة منهكة، تتنفس بصعوبة، وتكتم في صدرها وجعًا لا يُروى.

 

في الطريق إلى مدينة الصحفيين شرق النيل، مررنا بمنطقة السدير، حيث كانت مزرعة صديقنا الراحل عز الدين السدير، رجل المبادرات وصاحب القلب الرحيم الذي لم يحتمل قسوة الجنجويد. رحل، لكن مزرعته بقيت شاهدة على زمنٍ جميل، كانت فيها الحوارات عميقة، والضحكات صافية، والكتابة حرة.

 

وعند وصولي إلى مربع عشرين، وجدت زملائي الصحفيين القابضين على جمر الحقيقة، بعد أن فقدوا وظائفهم، وتحوّلوا إلى مهن لا تشبههم. كانوا من أكثر الفئات تضررًا، واجهوا استهدافًا ممنهجًا، لكنهم لم يفقدوا شغفهم ولا إيمانهم بالكلمة.

 

أما منزلي، فقد استُبيح باعتباره منزل “ابلدة”، وهو مصطلح يُطلق على المنازل التي تستهدفها المليشيات والشفشافة. نهبوا كل ما هو نفيس، ثم أحرقوا الصور والكتب، بما فيها كتابي “مدارات للناس”. لا أعرف ما الذي يزعجهم في الكتب والصور، لكنني أعرف أن ما لا يُحرق هو الذاكرة، وما لا يُنهب هو الإيمان بأن الأرواح التي سكنت هذه المدينة ستظل شاهدة، وأن الخرطوم ستنهض، ولو بعد حين.

زر الذهاب إلى الأعلى